الخميس، 28 أغسطس، 2014

زمـــن طـــائـــر السنـــونــو(قصة قصيرة) ...حمد المسماري

مـع بـدايـة فصـل الخـريـف مـن كـل عـام كـان النـاس فـي بنغــازي القـديمـة علـى مـوعـد مـع طـائـر أسـود وأبيـض اللـون صغيـر الحجــم ، رشيـق وسـريـع الحـركـة بصـورة مـدهشــة أسمـه  طـائر السنــونـو ، وكـانـت العجـائـز يرويـن عنـه الحكـايات للأطفـال المقـروريـن حـول المـواقـد فـي ليـالـي الشتـاء الطويلــة .. كـان النـاس يـدعـونـه  "  أم بسيســـي  "  ويتنــاقلـون عنـه القصــص المثيـرة ، وكيـف أن أم بسيســي هـذه تـذهـب إلـى مكــة للحــج سبــع مـرات ، وغيــر ذلـك مـن الخــرافـات الشعبيــة التـي كـان يصـدقهـا الصغـار والكبــار بسـذاجــة مفـرطــة  .. ولا يـوجـد  الآن ممــن عـاشــوا فـي ذلـك الزمـن الطيـب الجميـل ، لا يعـرف قصـــة أم بسيســي ورحلـة بحثهــا المضنيــة عـن ذيلهــا لكــي تعيـــد بـه يــوم العيـــــد.

فـي تلـك الأيـام كنــا نعيــش  بمنطقــة البركــة  ، وقــد أمضينــا سنــوات طفـولتنـا نـذرع شــوارعهــا  حتـى الحميضــة ، و الرويســات  و السبــالة  ، وهـي الحــدود الغيــر مسمــوح  لنـا كأطفــال  بتجــاوزهــا   . 

وظللنـــا نجــوب كـل الأمكنــة بهـذه المنــاطـق دون خــوف عــداء مقبــرة  "  سيــدي داو ود  "  والكنيســـة الكبيــرة فـي الميــدان المحــاطـة بالأســوار الحــديديـة الســوداء وألا شجـار العمــلاقــة  وصمــت المكــان  فقـــد  كنــا بشكـــل غــريزي نخشـــى الاقـتــــــراب منهمـــا ، وحتــــــى عنـــدمـا نستجمـــع  شجـاعتنــا ونتلصـــص كـجــرذان مـذعـورة مـن خلــف أسـوارهمـــا  كـان غمــوض المكـانيــن، وعـدم استيعابنا الجيــد للأمــور ، ومعـارفنــا الرديئـــة، وعقـولنــا المشــوهـة بالخــرافـات و الأســاطيــر تـزيـد الأمــور تعقيـــداً فالنصــارى كنـا نراهــم علــى الــدوام مخلــوقـات شـريرة مكــانهــا نـار جهنــم رغــم وداعتهــم المفــرطـة و ابتساماتهم الــودودة لنــا، وأســوار المقبــرة  مجــرد مكـان ملــيء بالعفــاريـت
 وعـوالــم الجـان السفليــــة ..

كنــا نحـــك رؤوسنــا  كلمــا رأينــا راهبــــة أو قسيــس مسيحــي أو سيــارة إسعــاف  بيضـــاء، ورغـــم مضــي كـل هــذه السنــوات لا أعــرف لــم كنــا نفعـــل ذلـك ومــا وجــه  العــلاقــة  … ؟ 

وظــل طــائـر السنــونـو يفـاجئنـــا دائمــاً مـع أول نسمــات الخــريـف  بطيرانــه الرشيــق وسـرعتـه المـذهلـة و ألعابه المثيــرة بشــوارعنــا التربيــة ، ويثيــر إعجـابنــا بحـركـاتـه البهلوانية صعـوداً وهبــوطـاً علـى مستـوى منخفــض يكــاد يلامــس الأرض  ... فيمــا يظــل أمهــر الصبيــة مـن صيــادي الطيــور فـي الأزقـــة القـديمــة يحــاولـون باستماتة اقتناصه
 دون جــدوى... ولا أذكــر ولــو  مـرة واحــدة أنــي رأيت  سنـــونــوة فـي قفـص أو حتـى جثــة هــامـدة بـل كـان هـذا الطــائر المــدهــش  محلقــاً  بســرعتـه المعهــودة بفضاءات شــوارعنـــا  و سموات  اللــــه  .

وكــان السكــان يعــرفــون بعضهــم دون تحفــظ أو عقــــــد مـن أي نــوع فــي عـلاقــات مبنيــة علــى البســاطـة والصـــدق  .. ويـربــون الســلاحــف ويعتبـرونهــا فألاً حســناً ، ويــزرعــون دوالــي العنــب التـي تطــل بعنـاقيــدهـا الخجــولــة علــى الشــوارع مــع بــدايات شهــر يــوليـو  ، ويتقــافز  الصبيــة فــي محــاولات  يـائســة لقطفهـــا  ..  لقــد كـان النــاس فقــراء طيبيــن يصــارعــون الحيــاة مـن أجــل قــوت يـومهــم ،  و إطعــام صغــارهــم  لكنهــم كــانــوا  أيضــاً إلـى حــد مــا سعــداء  ،  وبـرأتهــم  أعطتهــم تلـك السمــة المحببـــة  دون أن يــدروا أو يشعــروا بــذلك  .

ودارت عجلـة الـزمـن ، ومــرت الأيـام برتـابـة ممــلة وكبــر الصبيــة وتفـرقـت بهــم السبــل فـي دروب الحيــاة .. رحــل البعــض إلـى مـدن الثلـج والضبــاب والكاتدرائيات العتيقــة والحمـــام عبــر الميــادين ولــم نراهــم بعــد ذلـك قــط ، فيمــا تـوجـه آخـرون صــوب رمــال الصحــراء المحـرقــة بحثــاً عـن فـرص عمــل فـي شــركـات البتـرول الأجنبيــة  .. وأكمــل البعــض تعليمــه ، وأنقطــع آخــرون  ، ومـارس البعـض لعـب كـرة القــدم فـي  أنـديـة المـدينـة دون حــظ جيـد رغـم مهـاراتهـم العـاليـة بمـداعبـة الكــرة  .. والأغلبيـة تـزوجــوا  و مـلؤا الشـوارع بأطفال سيئي التـربيــة ولـم تتغيــر حيــاتهــم كثيــراً  .

كـان  الكثيــرون مـن شبــاب بنغــازي يحبــون القــراءة والإطــلاع  ، وعلــى درجــة عــاليــة مـن الثقــافة الراقيـــة فـي الأدب والفلسفـــة والفــن  . يتـابعــون بوسـائلهــم المتـاحــة العــالم مـن حـولهــم  .. يعــرفــون تشــي جيفــارا  وكولــن ويلســون وجـان بـول ســارتر  ، و أخبــار الهيبييـــن فـي ســوهـو  ..  ويشــاهدون أفــلام جيمــس ديــن ومـارلـون برانــدوا ، ويرقصــوا  "  زوربــا  "  مـع أنتـونـي كــــويــن ويترنمـــوا بأغانــي  أم كلثــوم  وفيـروز وفــريــد الأطــرش  .. 

 كـانـوا مثقفيــن حقيقييـــن  رغـم بسـاطتهــم يتـابـعــون جـريـدة الحقيقــة ، ويعشقــون بعـض أقـلامهــا المتميـزة ، متــابعيــن  بشغــف مقــالات الصــادق النيهــوم  وخليفــة الفــاخــري  ، ويـرددون أشعــار علــي الفــزانــي ومحمــد الشلطــامــي  .

كــانــت بنغــازي يــومهــا بريئــة وطيبــة والنــاس بسطـــاء واللــه  كــان يغــدق الأحــلام فـي الشــوارع العتيقـــة بسخــــــاء  .

ولكــن لا شــي يبقــى علــى حــالـه كمــا يقــولــون  ..  هجــر النـــاس  بيــوتهــم القــديمــة ذات الأبــواب الخضــراء المبــاركــة ، و  انتقلـوا  للعيــش فـي الأحيــاء الجــديــدة الرديئــة العمــران  ، بإطـراف المـدينــة  وتهــدمـت الكثيــر مـن الأزقــة  والشــوارع ومـاتـت الكثيــر مـن الـذكـريـات  .. وما صمـد  فـي وجـه الـزمــن مـن بيـوتنــا القــديمــة أصبــح مــأوى للجــرذان  و أســراب الغــربـاء   .. اختفـت دوالــي العنــب  المطلــة مـن أسطــح البيــوت بعنــاقيـدهـا الخجــولـة  ، ومـاتـت الســلاحــف  ، و امتلأت الشــوارع بالفــوضــى وضجيــج السيــارات والرجــال الجــوف  ..  أزيلــت المقــابر بسيــدي حسيـــن والبركــة والكيــش وشــارع الشــريـف  ، وجــزء مـن مقبــرة سيــدي عبيـــد ، وتقــاسمـــوا فـي مكـاتب العقـارات المريبــة أراضيهــا دون خجــل  مـن تـاريخهــم وقبــور مـوتـاهــم   ...  ومــاتت الكثيــرات مـن عجـائزنـا الطيبــات ، ومـات الصـادق النيهــوم وخليفــة الفـاخــري وعلــي الفـزانــي  ، وصمــت الشلطـامــي فـي دلالات واضحــة عــن مــوت معلـن للشعـــر وهــزيمــة أخــر الشعــراء المحتـرميــن   .

قلــت مـاتـت الكثيــرات مـن عجــائزنــا الطيبـــات  … نســي النــاس مـع تعــاقـب الفصــول والمــواســم  قصــة  "  أم بسيســي  "  وبحثهــا المضنــي عــن  ذيلهــا لكــي تعيــــد بــه يــوم العيــــــد  ...ويصعقنـــا الســــــؤال   : أن ينســـــى النــاس الطـــائـر الصغيـــر  أمــر طبيعـــي وقــابـل للتفسيـــر والاستيعـــاب  ...  لكـــن  أن يهجـــرنـا  طـائر الذكـريات والشجــن  منــذ سنــوات متغيبــــاً  عـن مـوعــده معنــا مـع إطــلالـة كــل خــريـف فهــذا مـا لا يمكـــن  تفسيــره أو استيعابــــه   ....

فهــل رأى أحـــدكــم طـــــائـر  سنــــونـــو  ....  ؟ 

سبق النشر عام 2003

مليـونيرات الإيـدز فرسـان الأرمـادا والهمـر...حمد المسماري

 
هـل انتهـت حكايـة أطفـال الإيـدز التـي أدمـت ومازالـت قلـب كـل مواطـن ينتمـي لتـراب هـذا الوطـن المترامـي الأرجـاء المسمـى ليبيـا بعـد أن ودعنـا السيـدات البلغـاريـات وتابعهـن الطبيـب الفلسطينـي صحبـة سيـدة فرنسـا الأولـى سيسيليـا ساكوزي إلـى صوفيـا ببلغـاريـا فـي رعايـة الله وحفظـه، وعلـى الفـور وبعـد أن قبـل أوليـاء أمـور الضحـايا التعـويض المؤطر دينيـاً تحـت مسمـى الديـة فنحـن قـوم مؤمنين نخـاف الله ورسـولـه، لنـا أن نرفـض الديـة مـن مواطـن غلبـان دهـس أحـد أحبـابنا فـي حـادث سيـر عـارض إذا لـم تتعـدى العشـرة ألاف دينـار، ونقبلهـا قانعيـن راكضيـن بأنصـاف الليالـي علـى صكـوك مصـرف ليبيـا المركـزي المليونيـة حتـى دون سطـوة الدولـة والمجتمـع الدولـي ممـن يحقـن فلذات أكبـادنـا عمـداً بفيـروس قاتـل أعـيا الأطبـاء فـي كشـف سـره انتهـت الحكايـة بعـد أن خجـل مسـؤولينـا مـن رد سيسيليـا الرقيقـة خائبـة، مانحيـن إياها وزوجهـا نصـراً سياسيـاً بـاهـظ الثمـن ولـو كـان علـى حسـاب دمـاء صغـارنـا، ولتتواصـل الأحـداث المضحكـة المبكيـة ويصـدر الرئيـس البلغـاري مستفزاً مشاعـر كـل الليبييـن عفـواً شامـلاً، فيمـا كانـت الإذاعـات الليبيـة تقـول لمواطنيهـا أنهـن ذاهبـات لقضـاء محكوميتهـن فـي بلادهـن، ولـم تمضـي ساعـات حتـى كـذب السيـد ساكـوزي التصريحـات الرسميـة الليبيـة بشـأن التعويضـات التـي دفعـت.. وثبـت لدينـا أن اللحـم البلغـاري الـذي كـان الأرخـص فـي أسواقنـا وكنـا نعـاف شـراؤه أغلـى كثيـراً مـن لحمنـا الوطنـي وألذ بعـد أن أصبحـت الكسبـة والأعـلاف المصنعـة طعـام خرفاننـا التـي لـم تعـد ترتـع فـي أريافنـا ومراعينـا التـي لـم تعـد خضـراء.

وأنـا هنـا لا أرغـب الحـديـث عـن مأسـاة صغـارنـا التـي أدمـت القلـب سنـوات طويلـة، فالمـرء حيـن يفعـل ذلـك لابـد أن يخنقـه البكـاء، بـل سأرصـد حكايـة أكثـر مـن أربعمـائـة مليونيـر هبطـوا فـي شـوارع بنغـازي فجـأة، وأشعلـوا الأسعـار فـي كـل شـيء بدايـة مـن ثمـن ربطـة المعدنـوس فـي فنـدق الجـوازي البلـدي وانتهاءً بأسعـار السيـارات الفخمـة والعقـارات ومـواد البنـاء.. فهـذا جـاري العـزيز يشتـري سيـارة أرمـادا يعـادل ثمنهـا 85000 دينـار بعـد أن أبتسـم الحـظ لأصحـاب معـارض السيـارات الفخمـة لزيـادة طلـب مليونيـرات الإيـدز علـى سيـارات الهمـر والـ GMC وغيـرهـا مـن المركبـات التـي لـم نحلـم بركوبهـا يومـاً… اللهـم لا حســد….

وعلـى عـادة مواطنينـا الأتقيـاء الأخيـار عنـدمـا يرزقهـم المولـى العلي الجبـار بفيـض مـن اليـورو والدينـار سيتـزوج عـدد منهـم علـى الصابـرات مـن نسائهـم المنتهيات الصلاحيـة اللواتـي أفنـين أعمـارهـن فـي خدمتهـم أوليـس الليبـي علـى رأي المثـل اليهـودي عنـا ” كلمـا زادن أفليسـاته أيبيع جـرده وتشيـن مـرآته “ .

فيـا أيهـا السـادة المفجوعيـن بدينـارات أخـر الليـل بمصـرف ليبيـا المـركـزي، مـا نـراه ونسمـعه عـن أفعالكـم وبذخكـم الأسطـوري الـذي لـم يجلـب لنـا نحـن البسطـاء سـوى غـلاء الأسعـار والهـم والغـم، يشيـر بوضـوح إلـى أن كارثـة تغيـر منظـومـة الأخـلاق فـي مجتمعنـا الذي كـان طيبـاً أعمـق وأشـد إيـلامـاً علـى النفـس مـن كارثـة أطفالكم الـذيـن لـم يعـد لهـم سـوى الله وقطعـاً سيكـون أرحـم بهـم منكـم.. فـأي عـاقـل لـديـه ذرة كـرامة وعقـل لا يفعـل مـا رأينـاه منكـم مـع الاحترام للقلـة الـذيـن يدركـون أن الدولـة سترمـي حيطتكـم قريبـا وسيحتـاج أطفالكم كـل مليـم مـن مليونكـم الرخيـص، لـذا أبقـوهـا للـزمـن فـي خـزائـن المصـارف البـاردة ولـم تطـاوعهـم ضمايـرهـم علـى أن يغـدروا بأطفالهـم ويستفـزوا مواطنيهـم بأعلـى درجـات الخسـة والوضاعـة التـي لمسنـاهـا.

ربمـا كـان الشـيء الإيجـابـي الوحيـد فـي حكايـة هـذه التعويضـات أن تعتـرف الدولـة لأول مـرة أن للمواطـن الليبـي ثمـن حتـى ولـو كـان أقـل عشـرة أضعـاف للأمريكـي فـي لوكربـي لكـن الخـوف كـل الخـوف أن تقتطعهـا مـن لحمنـا الحـي كمـا عـودتنـا دائمـاً فـي عـديد الاستقطاعات مـن رواتبنـا الهـزيلـة بـدايـة مـن ضـرائـب الجهـاد ودعـم الأسـواق والبندقيـة وليـس بأخـر ضريبـة النهـر، فسياسـة الأنفـاق فـي ليبيـا تتبـع علـى الدوام النظـريـة الاقتصادية المستمـدة مـن المثـل الشعبـي ” مـن لحيتـه أفتلـه حبـل “.

التـاريـخ لا يرحـم أيهـا السـادة، وحتمـاً سيتحـدث أحـداً مـا يـومـاً ويخبـرنـا القصـة الحقيقيـة لمـأساة أطفـال الإيـدز.. أما قضـاتنـا الأبطـال فـي بدايـة القضيـة فقـد انكشفـوا لنـا فـي نهـايتهـا بمجلـس قضائهـم الأعلـى وظهـرت الصـورة الحقيقيـة البشعـة لهـم، وهـو أنهـم ليسـوا سـوا أبطـال مـن ورق ورجـال بلا مواقـف.

ويبقـى لـدي تسـاؤل قـد يبـدو للعارفيـن بالسياسـة ودهاليـزهـا سـؤلاً غبيـاً، وهـو عـن مكسبنـا الوحيـد فـي القضيـة حسـب تصريحـات خارجيتنـا والسيـد عبد الرحمـن شلقـم وهـو التطبيـع الكامـل لليبيـا مـع الإتحـاد الأوروبي.. بمـاذا سيعـود علينـا هـذا التطبيـع نحـن الغلابـة البسطـاء عبيـد قانـون 15 المهـددين بالطـرد إلـى الشـارع كعمالـة زائـدة نتيجـة القـرارات العبقرية لتنظيـم الجهـاز الإداري.. نحـن المواطنيـن المثقليـن بالفقـر والبطالـة والهـم والغـم.. ؟ أم أنـه شـأن يخـص الـوزراء وتعاقـدات الشركـات النفطيـة.
---------------
سبق النشر بموقع جيل عام 2008

الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

أجدابيا : تاريخها وأعلامها ... حمد المسماري

لذة الماضي وسحر البعيد
عـن دار البيـان للطباعـة والنشـر صـدر الجـزء الأول مـن كتـاب يحـوي 315 صفحـة مـن القطـع الكبيـر ، وبعنـوان طويـل نسبيـاً هــو " مدينـة مـن مـدن الشمـس .. أجـدابيـا تـاريخهــا وأعــلامهــا " الكتـاب مـن تأليف البـاحـث المجتهـد " مصطفــى السعيطـــي " وبشكـلٍ مــا هـو كتـاب عـن التـاريـخ ، لكـن الأحــداث والشخصيـات العـابرة مـن خـلالـه لا تقـدم مـادتـه بالصـورة التـي اعتدناها فـي قـراءة مثـل هـكذا موضـوعـات أكـاديميــة صـرفـه بـل تنـاول الكـاتب أحـداثـه وشخصيـاتـه بحميميـة بالغــة ، وحــب هـائـل ميـز كتـابات أدبـاء أجـدابيـا والمـدن المتـاخمـة للصحــراء بوجــه عــام ، بعشــق مدنهـم ولعـل هـذا الحـب يتجلـى فـي إبـداعـاتهم قـديمـاً وحـديثــاً والتـي امتلكت خصـوصيـة واضحـة فـي هــذا الجـانـب ، فهــم لا يجـارون كتـابات أبنـاء مـدن السـاحـل الـذين لا يتـرددون فـي إطـلاق أوصــاف قاسيــة مثـل " العجــوز ، مدينـة السـأم ، العلبـة الصـدئـة .....الــخ " مـن المفـردات والمسميـات المتسمـة بالقســوة والتمــرد فـي كتـابات أدبــاء المـدن الكبيـرة عـن مرابـع صبـاهـم وهـذا ليـس انتقاداً أو انتقـاصـاً مـن إبـداع أحــد لكنهـا مـلاحظـة جـاءت فـي سيـاق الكلمــات لكـن الحـب وحــده لا يكفــي لكتـابـة أشيــاء طيبــة إذا لـم يعـاضـده البحـث والتقصــي ، وروح المثـابرة فـي تتبـع مســارات الأحــداث والأشيــاء باتـزان ومـوضــوعيـة ، وهــذا مـا نعتقــد أن البـاحـث مصطفـى السعيطـي قـد فعلـه . 



 وقـديمــاً جـاء فـي كتــاب الرحـالة الفــرنســي " جـورج ريمــوند " عـن أجــدابيــا سنــة 1912 ف قــولــه ( لســت أعتقــد فـي الـدنيــا كلهــا سهــلاً موحشــاً فـي مثـل عــراء هــذا السهــل المـوحـش ، ولا شمســاً أشـد لظـى مـن شمسـه ، ولا ريـاحـاً أعتـى مـن رياحــــه ) وقـد يقــول قـائــل فـي قفــار بـائســة إلـى هـذا الحــد عـن مـاذا يمكــن للمــرء أن يكتــب ، لكــن السعيطــي قـدم لنـا بكتـابـه إجـابـة عـن هـذه التســاؤلات المنطقيــة ، حيـن تحــدث عـن أولئـك الرجـال الرائعيــن الـذيـن سطـروا بعـرقهـم ودمـائهــم ، وسيـرتهـم العطــرة مـلاحـم عظيمــة فـي جنبـات كـل ركـن فيــه .. مـلاحـم مـن البطــولـة والشــرف ، والإيمــان ، وقبــل هــذا كلــه الحــب المجــرد لــوجــه اللــه والــوطــن ، وهــذا مـا فـــات الرحـــالـة الفـرنســي " جــورج ريمــوند " رصــده وتـدوينــه للتـاريــخ ، وقــد يكــون للـرجــل عــذره فهـــو برصــده لحيــاة سكــان أجــدابيــا مـع بـدايــات القــرن المــاضــي ، لـم يستطيــع أن يفهــم أو يستـوعــب مـا تحـويــه ألــواح تلـك الكتــاتيــب والـزوايـا التـي رآهــا بـائســـة ، ومــا تزرعـــه فـي نفــوس طــلابهــا مــن علــم وكبــريــاء ، وورع ، ولــم يفهــم أشعــار حســن لقطــع ، ولا مخطــوطـات الأجــدابــي ، ولــم تطــرق أذنيــه تســابيــح شيــخ ضــريــر رائــع أسمــه عيســى الفــاخــري ، ولــم يعــرف تلـك الروحــانيــة العــاليــة التــي تبثهــا فــي القلــوب أذكـــار حمــدو الريحــانــه فــي ليــالــي المــوالـد وحــب الرســول ، ولــم يرقــص إلــى أقصــى درجــات التــوحــد مـع الإيقــاع - الـدنقــه - فـي حلقــات العــراب مــوســى طخـــــة .. 

لقــد اختـــار الكــاتــب تقــديـم المكــان مـن خــلال الــوجــوه الطيبــة الأصيلــة التــي استوطنته ، وعــاشت فيــه سنــوات لا حصــر لهــا ، ونجــح فــي ذلـك إلـى حــد بعيــد ، وقــدم كتـابـاً جــديراً بالقــراءة ، ولا يمكــن لنــا أن نــديـن العــاطفــة الجيـاشــة التـي سكنــت الأحــرف والكلمــات بشكــل مبــالــغ فيــه أحيــانـاً ، ونحكــم علـــى الكتــاب بالقصــور فـي عـرض مثــل هــذه المــواضيـع التـي لا تهـــم أبنــاء مــدينــة الشمــس أجــدابيــا وحــدهــم .. ومــا أحــوجنــا إلــى مثــل هـــذه المـؤلفـات التــي تستــرجــع لنــا وجــوه وأسمــاء لــرجــال ونســاء لــم يكــن مــرورهــم فــي هــذه الــدنيــا عــابـراً رغــم النسيـــان ، فكــم مـن أجســـاد لأرواح عظيمــة لأسمــاء ضــاعــت مــن ذاكــرة الــوطــن فــي قبـــور منسيــة بثــراء رحــاب كــل مــدينــة وقــريــة وواحــة ، وفــي جبــال ووديــان ورمــال صحــــراء ليبيــــا العظيمــة هــائلــة الأتســـاع ..

 وبصــراحــة مطلقــة أنــا لا أعــرف الكثيــر عــن أجــدابيــا ، ولــم أسمــع يــومـاً عــن أسمــاء مثــل: " عبــد العـزيز الأبيـض ، فاطمــة قنيبــر ، أحميـده بشيــر ، تفــاحــة ، اللافـي بــونشـــو " وغيــرهــم مـن الرجــال والنســاء الرائعيــن الــذين حــوت سيــرهــم ، ورســوم صــورهــم بريــش وأقــلام فنــانيــن موهـوبيــن مـن مـدينــة أجــدابيــا صفحــات الكتــب الشيـــــق .. وقــدم الكــاتـب لــي ولغيــري خــدمــة جميلــة بتعــريفنــا بهــم ولــو بعــد حيــن ، وهــذا بحــد ذاتــه رســالـة ســاميــة الهــدف بتقــديمــه للمكتبــة الليبيــة والعــربيــة ، وأعتقــد أن كتــاب " أجـــدابيــا تاريخهــا وأعــلامهــا " لــن تخلــو منــه مكتبــة أي بيــت أجــدابــي أصيــل ، وســوف يعــاد طبعــه مــرات ومــرات لمــا حملــه مــن أفكــار نبيلـــة صــادقــة دون شــوائــب أو عقــد مــن أي نــوع ، وحسبــه ذلـك شــرفـاً .

وتبقــى هنــاك ، وكنــت أود عــدم عــرضهــا ، والتطــرق إليهـــا ، حتـــى لا أفســد فـرحتنــا بهــذا المــولـود الجميــل فـي أســواق كتبنـا الكئيبــة المكتظــة بكتـــب لا يقــرؤهــا أحــد .. أولــى هــذه المـلاحظــات .. أن بعــض الشخصيــات الهــامــة فـي تـاريـخ الــوطــن كـان يجــب أن تـولــى عنايــة أكبــر عنــد التطــرق إليهــا وعــرضهــا مثــل " الأجـــدابــي ، حســن لقطــع ، عيســـى الفـاخــري ، أمحمــد المقـريـف " فمثــل هـذه الأسمــاء تحــديـداً لا تـذكــر أجــدابيــا ألا مقــرونــة بهــم غــالبــاً ، وقــد قــدم الكتـاب سيــرهــم بـاختصــار شــديــد جــداً ، كمــا كـان هنــاك خطأ علــى الأرجــح أنــه مطبعــي فــي تـاريـخ ميــلاد ووفـاة الاســم الأخيــــر . 


ثـانــي المــلاحظــات التـي قــد تبــدو متـواضعــة ، ورود أسمــاء بــدا أن دخــولهــا الكتــاب جــاء مـن بــاب المعــرفــة الشخصيــة ، وصــداقـات الكــاتــب نفســــه .

المــلاحظــة الأخيــرة .. كنــت أرغــب أن يــولــي الكــاتـب عنايــة خــاصــة بنقطــة أراهــا هــامــة جــداً ، وهــي أن الكثيــر مــن الشخصيــات قــدمــت إلــى مــدينــة أجــدابيــا مــن أمـاكــن أخــرى ، واستوطنتهـــا وسطــرت أسمــاهــا بتـاريخهــا الطــويــل .


وأجمــل مـا يحســه المــرء فــي هــذا الكتـــاب ، هــو ذلـك الشعــور بأنه تبــاركــه مــدينــة بأكملهــا مــوفـرة لــه كــل الطــاقـات والإمكانيـــات المــاديــة لمعـانقــة النــور .. فهــو إذن ذاكــرة مــدينــة .. ذاكـــرة أجــــدابيــا ، وأهلهــا البسطـــاء الطيبيــــن .

ذات مــرة فــي نهـــاية خمسينيــات القــرن المــاضــي كتــب الأديــب الراحــل الصــادق النيهــوم مقــالاً حمــل عنــوان " شعــب يكتــب تـاريخــه بالأغنيـــة " قـال فيــه :

(التــاريــخ علــم ، وعلــم جميــل فيـــه لــذة المـــاضـــي وسحــــر البعيـــد)


ويا له مـن مــاضٍ جميــل ، وسحــر يفــوق الخيــال ذلـك الــذي أستحضــره لنــا الكـاتـب والبــاحــث المجتهـــد مصطفــى السعيطــي مـن بقــايا صـــور لــوجــوه نـاس ، وشــوارع ، وقبــور منسيــه لمــدينــة كـادت تنســى أيــامهــا الطيبــة الـدافئــة العــامــرة بالحــب والبهجــة والفــرح ، وأيضــاً الشقـــاء والألـــم .. فــلا يسعنــا إلا أن نحييـــه ونشيــد بمــا يصنــع ، ونـأمــل أن نــرى فــي قـادم الأيــام مـن الكــاتب ، ودار البيــان الجــزء الثـانــي مــن هــذا الكتــاب ، وأن تــولــي جهــة مــا أيـاً كــانت مشــروع مثــل هكــذا مـؤلفــات نحــن فـي حـاجــة مـاســة إليهــا لقـراءة تـاريــخ مدننـــا وقــرانـا .. فمــا أفقــر مكتبــاتنــا مـن الكتــب التــي تتحــدث عنــا ، وتقــدمنــا للآخــرين دون ريــاء أو كــذب مفتضـــح .


ربمـا كتبـت بعـاطفــة مـا ، تجــاه مـا قــرأت للبــاحــث مصطفـــي السعيطــي ، فـانـا والكثيـريـن غيــري مثلــه ، مسكونيـــن بحــب المـاضــي ، ومتحســرين علــى ضيـاعــه وعــدم تـوثيقــه فــي خضــم اهتمــامـات أخــرى لا تعنــي أحــداً للأســف سـوى أصحـابهـــا . فهـــل سيكــون كتـابــه عــن درة مــدن الشمــس أجــدابيــا فـاتحــة خيــر لكتـب أخــرى عـن مدننــا وقــرانــا عبــر سـاحلنــا الشــاســع الأتســاع ، وصحــراءنــا العظيمــة المتــراميــة الأطــراف ؟ ... نأمــل ذلــك .



سبق نشره بتاريخ الخميس 01 يوليو 2004
 

سـاحات الحزن المستباحة ... حمد المسماري


في العدد رقم 27 لشهر مايـو 2004ف من مجلة المؤتمر كتب أمين التحرير الأستاذ محمود البوسيفي مقالا قصيرا نسبيا حمل عنوان "سـاحات مستباحة" كان عبارة عن صرخة مريرة عن عجز وفقر وجهل وتخلف عالمنا العربي والإسلامي، وحاول من خلاله أن يضع الأمور في نصابها من وجهة نظره وأن يبرئ سـاحة الاستعمار المفترى عليه من الكثير من تبعات بؤسنا وشقانا وتخلفنا الفكري والحضاري على جميع الأصعدة .. وقد تلاعب كاتب المقال بالأحرف والكلمات بشكل لا تنقصه المهارة في الطرح والتعبير ليؤكد حقائق ويغيب أخرى، ولا تنقصنا الأمثلة استنباطا مما كتب حين يقرر أن "إعلان الحرب على التخلف ليس من وراء الجرارات ولكن من وراء الميكرفونات.." .


وهذا صحيح على أرض الواقع، ولكن ما كان يجب إغفال كامل الصورة وإظهار تلك الحشود من الجماهير الهادرة بالهتافات والمبايعات أمام ميكرفونات الخطباء المفوهين بسذاجة وغباء مفرط، وعدم دراية بأبسط أسس الديمقراطية.. ليخبرنا بعد ذلك عن أن التنمية لم تكن هاجس الأنظمة العربية بل تحرير فلسطين ويذكرنا بشعارات قومية قديمة عن استعادة عربستان ولواء الاسكندرونة وأن التعليم مغيب بصوره المعرفية الصحيحة والمجدية ، وأن الزراعة تموت ، والصناعة تحتضر ولا تعتمد على رؤى علمية حقيقية وذات نفع ومستقبل ، ساخرا في الوقت ذاته من حكامنا قائلا أنهم .. "يعرفون ما يريدون بنفس القدر الذي يجهلون به ما يرغبونه" فكانت النتيجة تحويل العالم الثالث إلى دكتاتوريات مقيتة .



والواقع أن سخرية البوسيفي المرة لها ما يبررها ، ونتفق معه أكثر مما نختلف عندما يقول: "الاستعمار الذي كان يجثم على الوطن الكبير أدرك وهو يخرج من الباب أن بوسعه العودة من النافذة" أو حين يخلص إلى نتائج مرة من واقع حال العرب والمسلمين مقررا : "لم تتحرر فلسطين وإنما ابتلعت بالكامل ولن نتحدث عن باقي المناطق ، ولم تنجز التنمية ، ولم يتحرر المواطن ، ولم تتحقق العدالة .. وفي المقابل ارتفعت مؤشرات البطالة والجريمة ، والتسرب من التعليم ، وعمل الأطفال في تزامن مع تصاعد معدلات الفساد المالي والأخلاقي دون أن يكون للاستعمار أي دور مباشر" ثم يطرح الكاتب جملة من التساؤلات التي تنضح بالحزن والمرارة والمستقبل المظلم المخيف للأجيال القادمة بهذه الأمة ، محاولاً في الوقت ذاته وبصورة مبالغ فيها تبرئة الاستعمار من تبعات ما آلت إليه الأوضاع المتردية في عالمنا العربي والإسلامي .. ليقول لنا مستنتجاً أن: "الاستعمار لم يعد مسؤولا عن التخريب الثقافي ؟ الاستعمار لم يعد مسؤولا عن ازدحام المحاكم بكل أنواعها .. بجرائم القتل والسرقة والتدليس وصولا إلى الطلاق"...



ويعود مجددا ولكن هذه المرة لطرح تساؤلات أكثر إثارة عن البطالة ، ومحنة الخريجين الذين لا يجيدون حتى كتابة أسمائهم ، وعن تشويه الهوية ، وغربة اللغة عن تحدثيها ، وصولا إلى الأكل والأزياء الغربية التي غزت حياتنا ، ولا علاقة لها بتذوقنا الفني وأخلاقنا وعادتنا وتقاليدنا ، ويصل إلى نقطة مهمة في نهاية مقالته "ساحات مستباحة" عندما يتسأل عن تفاهة الإعلام العربي وغبائه..؟ وتحويل الوطن إلى حقل تجارب للآخرين مختتما تساؤلاته صارخا "من المسؤول عن الاحتقان المرير".



والواقع أن مقالة الأستاذ البوسيفي جيدة ، وبنفس الوقت مستفزة لأبعد مدى ، وأعتقد أنه كان لزاما عليه وهو يصل إلى هذا الحد من الصراخ المفزع المرير ، أن يقدم لنا إجابات مقنعة لتساؤلاته المنطقية ، ولكنه اكتفى للأسف بطرح الأسئلة فقط ، مما جعل مقالته ناقصة رغم جديتها وتماسكها وسأحاول هنا أن أتبرع بالإجابة لإيضاح ما اعتقد أن كاتب المقال أغفله أو تعمد إغفاله لما وصفه بـ "الاحتقان المرير" على حد تعبيره.


الموضوع ببساطة متناهية أن لكل مشكلة أو ظاهرة جذور تاريخية لاسيما حين يتعلق الأمر بالجانب الاجتماعي أو الإنساني ، ولا أدري لماذا أغفل الأستاذ البوسيفي الجانب الديني للمسألة ، والعقلية المستلبة للمواطن المسلم عبر كل العصور ، وثبات عدم جدوى الشعار الشهير لدعاة الفكر الأصولي "الإسلام هو الحل" وهو ما تنبه له الصادق النيهوم في كتبه المثيرة للجدل "صوت الناس – الإسلام في الأسر – إسلام ضد الإسلام" ... فعقلية المواطن وعقيدته هي الأساس في تكوينه الفكري والحضاري ، ودورة التاريخ وعجلة الزمن لا يمكن لها أن تدور بأسوأ مما دارت عليه عبر تأريخ أمتنا على مواطننا المسكين الذي "يفقد عقله إذا فكر ورأسه إذا تكلم" على رأي النيهوم .. ولا يمكن إخفاء ما عاناه هذا المواطن من تشويه وتزوير حقائق ، وقتل بشع طال مفكري وعظماء هذه الأمة على أيدي الخلفاء والإقطاع المتسلحين بفتاوى الفقهاء بداية بالحلاج والسهروردي المقتول وانتهاء بمن لم يولد بعد.


لقد قضينا العمر ندور كدراويش المولوية في حلقة ذكر صوفية ثم نأتي الآن لنبحث عن مشجب جاهز لأخطائنا المميتة وأمراض عصرنا الفتاكة، وليس هناك من مشجب جاهز أفضل من كلمة "الاستعمار" .. وأتفق مع كاتب المقال في أن ما ندعوه الاستعمار بريء من تبعات جل ما وصلنا إليه من تردي وتخلف على جميع الأصعدة ، ولكن ليس بصورة كاملة فعالمنا العربي والإسلامي لم يسمع بأسماء مثل "تشرشل وهتلر وموسليني" إلا عندما جال المدعو بثعلب الصحراء رومل بألوية دبابات البانزر رمال صحراءنا العظيمة متصديا له مونتجمري بالعالمين .. وعمر المختار لم يسمع بنصيحة موسليني لجنراله الدموي غرتسياني "اسحق بعنف" إلا عندما جاء هذا الأخير بويلاته مبيدا شعب ليبيا الفقير المعدم.



ما أريد قوله أن حربين عالميتين مدمرتين دارت رحاهما على خارطة عالمنا العربي والإسلامي أدخلت الغرب بصورة مباشرة في اللعبة وجعلته مسؤؤلا بصورة ما عما آل إليه واقع الحال فيما بعد في القرن العشرين وحتى الآن ونحن نلج بوابة الألفية الثالثة ، وتبقى الحقيقة الثابتة وهي أن ما نعانيه اليوم من جهل معرفي يدعو إلى الضحك والرثاء وكما قال المتنبي من ألف عام "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم" لم يأت من فراغ بل من خلال تأريخ تعلمنا أنه ناصع البياض لنكتشف متأخرين جدا أنه مفزع غارق في الدماء إلى درجة لا تصدق ، وأن ثوب عفتنا وطهارتنا مليء بالرقع والثقوب إلى حد مخجل وإذا كان المتأمل للطبيعة من كوخ منعزل في غابة موحشة "هنري ديفيد ثورو" قد قال ذات مرة "جدد نفسك كليا كل يوم ثم أعد الكرة واستمر إلى الأبد" فما أحوج عالنا العربي والإسلامي لاستيعاب نصيحة كهذه .



وختاما لا مناص من ترديد ما قاله البوسيفي عن ساحاتنا المستباحة ، ويبقى لكل منا الحق برؤية الأمور من زاويته الخاصة ، وأتمنى أن تداوم مجلة المؤتمر تقديم مثل هكذا موضوعات جريئة ومثيرة ومستفزة وذات أهمية بعيدا عن رسم كلمات لا تقول شيئا ذا قيمة على الإطلاق .. والخلاصة أنه يمكن القول أن للجهل في حياتنا أقنعة عدة ، ولكن يبقى أخطرها قناع المعرفة والفضيلة . 


سبق النشربتاريخ : الثلاثاء 21 ديسمبر 2004

الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

إلى طفل يموت على شاشات المرئيات ... حمد المسماري

ها نحن يا محمد نبكيك
وما الذي نملكه سوى
الدموع
وكيف يا صغيرنا نمنع عنك الموت
ونحن عاجزون أن ندفيك من برد
عاجزون أن نطعمك من جوع
رأينا خوفك
صعقنا موتك
صلينا كعادتنا عليك في خشوع
ثم وضعنا فوق قبرك زنبقة تضوع
وتوقفنا عن البكاء

* * * * *

الليل يا صديقنا
والصرخة الخرساء والشجون
الخوف والأحزان والظنون
وموت الدمعة الحرى على الجفون
وأنت في مفترق الدروب
بكاؤك المرير قطع القلوب
جراحك عميقة عميقة
والبوح في مدن
الرجال الجوف انتحاراً
لكنها وأسفي الحقيقة .

* * * * *

يا صغيرنا
العربي حتى الآن لا تهزه المأساة
موتنا أضحى لعبة يتقنها الغزاة
نتابع الأخبار
نشاهد بأعيننا الخراب والدمار
لم نشعر بالذل
لم نشعر بالعار
أحلامنا الصغيرة مصادرة
آمالنا في النصر رؤية عابرة
اعتدنا يا محمد
ترديد أناشيدنا القديمة
وانكسار القلب ومرارة الهزيمة .

* * * * *

نصدق من سنين
ما يقوله المذياع عن سلام في الأفق
ننتظر بصمت خروجنا من عتمة النفق
نحلم بالشمس وبالربيع
ونغمض العيون حتى لا نرى
وطنك وشعبك يضيع
نواصل الصلاة والدعاء
" إلهنا القدير فك كربنا
إلهنا القدير بارك جندك
إلهنا بنصرك أغثنا
خاسرة للعين تبدو حربنا "

* * * * *

الموت لا يحدث مرتين
ونحن ألف مرة نموت
نموت خجلاً
نموت أسفاً
نموت عاراً
نموت ونموت ونموت …
صوتنا نبرته شديدة الخفوت
العربي في صورته مجنون
يلوح منذ زمن بعيد
لمدافع البوارج والأعداء يضحكون
يلوح بغصن شجرة زيتون .
 
 * * * * * ويظل الشوق
على رصيف المقهى
يقتلنا انتظاراً ورجاء
لا نستطيع البوح
بخوف في صلاتنا
نهمس بالدعاء
في مدن العذاب والجراحات الكبيرة
لم يعد بوسعنا أن نتكلم
صار مسموحاً فقط أن نتألم

* * * * *

يا صديقنا الصغير
لا تنخدع .. مظهرنا مزيف
العربي حقيقة مواطن مسكين
يسكنه خوفه
يؤلمه جرحه
يقتله حزنه
حياته ألم
وجوده أشبه ما يكون بالعدم .

* * * * *

يا طفل الأحزان
قدرنا أن نحيا ونموت
في وطن لا يتقن سوى النسيان
يا طفل الأحزان
أغفر ضعفنا فقد عجزنا
أن نمنحك الآمان
عجزنا أن نمنحك السلام
في مدينة السلام
يا طفل الأحزان سلاماً
يا قدس الأديان سلاماً
سلاماً إلى كل شهيد في تراب القبر
سلاماً إلى كل أم بحرقة أطفالها تنتظر
سلاماً إلى كل شيخ بللت لحيته الدموع
سلاماً إلى كل زهرة جورية في شرفة
المساء عطرها يضوع .

* * * * *

يا طفل الأحزان
وداعاً
وداعاً يا ضحية الجحود
وداعاً يا ضحية الوعود
فنحن قتلناك
قبل أن يغتالك اليهود .


 
الأثنين 01 يناير 2001

شجون بنغازية - لمحيشي- للكاتب حمد المسماري



أيهــا الأحبــة والأصــدقـاء ..

ويتجـدد اللقــاء مـع عبـق الأيــام المبـاركـة .. وتتـواصـل مشـاعـر الحـب والطيبـة ، والفــرح فـي عيـون أبنـائك يا بنغازي النهــار علـى رأي شـاعـر الشبــاب علـي صـدقـي عبـد القــادر أمـد الله فـي عمـره .. اليـوم سيكـون حـديثي عن أحـد أحيـاء بنغـازي الشهيـرة جـداً ، وهـو حـي حـديـث نسبيـاً ، ظهـر إلـى الـوجـود مـع بـدايـة السبعينيـات مـن القـرن المـاضـي ، بعـد قيـام الثـورة مبـاشـرة تقـريبـاً ، حيـن ’شـرع فـي إزالـة التجمعـات العشـوائيـة لبيـوت الصفيـح المعـروفـة بـ " الحلال يق " والتـي كـانت منتشـرة فـي الرويسـات والماجـوري وراس أعبيـدة والكيـش ، والصـابري ، وغيـرهـا مـن منـاطـق المـدينـة .. ظهـر هـذا الحـي مشكـلً توليفـة غـريبـة ، وجميلـة بسكانه القـادمون فـي فتـرة زمنيـة واحـدة مـن كـل الأحيـاء القـديمـة المعـروفـة فـي المـدينـة ، وكـان جلهـم مـن البسطـاء والفقـراء فـي ذلك الـوقـت ، فقـد منحـوا قطـع أراضـي مسـورة نقلـوا إليهـا بقـايا حـلاليقهـم ، وطفقـوا يبنـونهـا شئيـاً فشئيـاً ، بسـواعدهـم ومدخراتهـم القليلـة ، وبـواسطـة القـروض المصـرفيـة ، فيمـا بعــد ، وفـي زمـن قيـاسـي ظهـر للـوجـود حـي جـديد يختلـف ، فـي طبيعتـه عـن بقيـة أحيـا المـدينـة المعـروفـة .. ظهــر إلـى الـوجـود حـي " المحيشــي " بكـل صخبـه وعنفــوان شبـابـه ، وثـورتهـم وتمـردهـم ، علـى تقـاليـد وأعـراف طـواهـا الـزمـن .. كـان العـالـم حينهـا خـارج مـن حقبـة الستينيـات التـي شهـدت تغيـرات عالميـة طـالـت تداعيـاتهـا كـل مكـان علـى سطـح الأرض ، ووصلنـا بالطبـع شئيـاً منهـا ، تجسـدت فـي هـذا الحـي ، وكـانـت تغيـرات سلبيـة للأسـف تمثلـت فـي انتشار العنـف والجـريمـة بشـوارعـه ، والتجـارة المحـرمـة ، وكمـا كـان الفيلسـوف الإنجليـزي كولـن ويلسـون يكتـب عـن " الضيــاع فـي ســوهـو " كـان يمكـن لأدبـائنا أن يكتبـوا الضيـاع فـي المحيشـي .. كـان هـذا الحــي فـي بدايـة تكـوينـه حـي ســيء السمعـة ، صبغتـه الجـريمـة ، وعـربد فـي شــوارعـه الانحراف .. لكـن ذلـك كـان فـي البـدايـة فقــط ثـم استلمت الطبقـة الـواعيـة والمثقفـة زمـام الأمـور ، وصححـت كـل سلبيـات هـذا الحـي .. أقيـم نـادي الســواعـد الشهيــر ، واحتــوا لاعبـي المحيشـي المهــرة وشبـابه المـوهوبيـن ، ووصـل إلـى الـدوري الممتـاز ونـافـس بقـوة لسنـوات عـديـدة ، وشيــدت المــدارس التـي أدارهـا مـدرسيـن أكفـاء مـن أبنـاء المحيشــي وخـرجـوا لهـذا الـوطـن الطيـب ألاف العقـول النيــرة ، والمثقفــة ، وشــق الشـارع الرئيســي الـذي ربـط أطـراف الحــي ، وتحسنـت خـدمـات الميـاه والصـرف الصحـي والكهــربـاء ، وامتــدت توسعـاته إلـى منـاطـق جـديدة بـدأت تظهـر للـوجـود مثـل " شبنــة ، وحـي السـلام ، وشــارع ســوريـا " .. وأخــذت السمعــة السئيــة للحـي تنحســر شيئـاً فشيئـاً .. تلـك السمعـة التـي دفعـت الشـاعـر " عمـر الكـدي " أن ينشـد فـي مقطـع رائـع بإحـدى قصـائده :

أحـب شبـابك الضـائعيـن
 
الـواقفيـن أبـداً عنـد مفتـرق الطـرقات
 
الصـاخبيـن الضـاجيـن الضـاحكيـن
 
الغـاضبيـن دون سبــب
 
المتبـرميـن بكـل شــيء

الـذيـن يبيعـوننـي خمـر المسـاء
 
فـي الأزقـة المظلمــة

حـي المحيشــي الآن أصبـح حيــاً أخـر ، تغيّـر كـل شــيء فيـه ، ولـم يحتفـظ مـن طبيعتـه الأولـى سـوى بعنفـوان شبـابه وتمـردهـم ، وعـربدتهـم الرجـوليـة ، لـم تعــد تتنـدر عليـه بقيـت أحيـاء المـدينـة حيـن أسمـؤه بـ " المـدينـة الدائخـة " لقـد تغيـر كـل شــيء الآن ، وهـاهـم شبـابه مـن الجيـل الجـديد فـي الجـامعـات والمعـاهـد يتميـزون بنبـوغهـم واجتهـادهـم علـى الجميـع .

وقـد أشتهـر هـذا الحـي منـذ تكـوينـه ، بفتـواتـه ، الـذيـن أستلمـوا الرايـة مـن الجيـل القـديـم لفتـوات بنغـازي القـديمـة بالصـابري الـذي أشتهـر بهـذا الأمـر منـذ تكوينـه .. كـانوا فتـوات حقيقييـن ، يحقـون الحـق ، ويبـادرون إلـى نصـرة الضعيـف والعـاجـز ، كـانـوا فتـوات ولـم يكـونوا يمـارسـون كمـا هـو حـادث الآن البلطجـة ، واستغـلال البسطـاء ، وابتـزازهـم ، ولـم تكـن صفـات السـرقـة وخـلافه نشـاطهـم ، كـانـوا منحـرفيـن بشكـلٍ مـا ، لكنهـم كـانـوا رجـالاً رائعيـن بنفـس الـوقـت .. المحيشـي حيـن ظهـر للـوجـود ، كـان ومـا يـزال الصـورة الحقيقيـة المعبـرة عـن تنـاقضـات بنغـازي العجـوز .. الصـورة التـي قـد لا يحـب البعـض رويتهـا ، ولكنهـا موجـودة ، وليـس بالإمكـان طمـس معـالمهـا .

المحيشــي حـي البسطـاء الـذيـن أحبـوا بلـدهـم ، ومنحـوهـا حتـى أيـام حيـاتهـم دون أن ينتظـروا مـن أحـد جـزاء ولا شكــورا .. ربمـا كـان هـذا الحـي أقـل حظـاً مـن اهتمـامات المسـؤولين عـن المـدينـة .. لكنـه يبقى أكثـر أحياءهـا حيويـة وعنفـواناً .

أيهــا الأحبــة ..

أجمــل الكلمــات التـي تخـرج مـن القلـب مبـاشـرة ، وأجمــل الأغنيـات هـي تلـك التـي تـرددهـا شفـاه النــاس ، دونمـا استئـذان .. وكــم رددت شفـاه النـاس فـي بنغـازي كلمـات وتـرنمـت بأغنيات جميلــة ولــدت فـي حــي المحيشــي ، أهــم مـا يميـزهـا صــدق المشــاعـر وبســاطـة اللحــن والنغـم .. الأغنيـات التـي أنبجسـت فـي حـي المحيشــي مـع بـدايـة سبعينيـات القـرن المـاضـي ، كـانـت شعبيــة أصيـله ، وكـانـت تعبـر عـن واقـع الحـال والمعانات ومحنــة جيـل ذلـك الـوقـت مـن الشبــاب .. كـانـت أغــانــي عبــد الجليـل عبـد القـادر ، وأحميدة درنـة ، وغيـرهـم مـن عشــرات الأصــوات فـي تلـك الفتـرة مـل السمــع ، تتــردد أصــداهـا بكــل أرجــاء المــدينـة .. مطـربـون لـم يعـرفـوا استوديوهات الإذاعـة ، بـل أن الكثيـر مـن النـاس لـم يـروا حتـى صــور وجــوههـم ، ولكـن تعلقـوا بهــم وأحبوهـم مـن خـلال أصـواتهـم وكلمـات أغنيـاتهـم الصـادقـة الشجيــة ، ذات المعـانـي المـوثـرة عميقـة الغـور فـي النفـس البشــريـة .

أغـانـي ذلـك الجيـل مـن مطـربـي منطقـة المحيشـي فـي فتـرة بدايـة سبعينيـات القـرن المـاضــي ، كـانـت ظـاهـرة فنيـة بحــق ، تحتـاج مـن كتـابنـا ومثقفينـا دراستهـا والغـوص فـي أعمـاق دلالاتهـا ، وحسهـا الغنـي بالمشـاعـر الفيـاضـة .. أغنيـات ذلـك الجيـل مـن المطـربيـن ، والمـؤلفيـن الذيـن مجهـولـة هـويـة أكثـرهـم فـي الغـالـب ، أوجـدتهـا محـن وأحـزان حقيقيــة ، وولــدت مـن قلـب الفقـر والبطـالـة والمعانات .. كـانت أغـانـي تخـرج مـن القلـب وتعـانـق القلـب مباشـرة .. وكـانت أصــوات مطـربـي المحيشـي ، تصـدح عبـر المسـافـات فـي أسفـار النـاس شـرقـاً وغــربـاً ,, شمــالاً وجنــوبـاً ، وفـي بـلاد الاغتراب البعيـدة كـان يمكـن للمــرء أن يستمـع إلـى أغنيـات وأصوات أبنـاء المحيشــي تصــدح بغـرف بيـوت الطلبـة بارقــى جـامعـات العـالـم فـي بـلاد الثلـج والضبـاب والكاتدرائيات العتيقـة ، كـانـت هـذه الأصـوات هـي الأنيـس الـوحيـد لطلبتنـا هنـاك ، تذكـرهـم بالـوطـن ، تخفـف عنهـم لـوعـت غـربتـه والحنيـن إلـى أيـامــه .

أيهــا الأحبــة والأصــدقـاء ..

عـن حــي المحيشــي ، كانـت تداعيـات الذكريـات هـذه المــرة .

لـم أشــا مـن خــلالهـا أن أؤرخ لزمـانـه بـل أردت مصـافحـة أبنـائه وأيـامـه الطيبـة ، الغـائبيـن للأســف عــن إبـداعـات شعــرائنـا وقصـاصينـا ونقـادنا .. وكمـا حمــل أبنــاء هـذا الحـي عشقــاً لا ينفصـم عـراه لشــوارعـه .. حملنــا لـه نحــن أيضــاً حبـاً صـادقـاً ، ورغبـة للغــوص أكثـر فـي أشجـانـه وتـداعيـاتـه .. فكـل عــام أيهـا الحــي الرائـع الضـاج بالصخــب والتمــرد والحـب ، وشــوارعـك وأبنــائك الطيبيــن المتمرديـن بـألــف خيــر .

 نص لبرنامج مسجل على موقع ليبيا جيل اذُيع فى العام 2007
 

الأحد، 24 أغسطس، 2014

حوارا مع الروائية الليبية وفـاء البوعيسـي...حاورها: حمد المسماري

ربمـا لـم تثـر روايـة ليبيــة تسـاؤلات وردود فعـل كبيـرة ومتباينـة تجـاه كاتبهـا بمثـل مـا أثـارت الروايـة الأولـى للروائيـة الشابـة وفـاء البوعيسـي "للجــوع وجــوه أخـرى" الصادرة ضمـن منشـورات مجلـة المؤتمـر للعـام 2006 . م ووصلـت ردود الفعـل إلـى درجـة ذهـاب البعـض لاتهـام كاتبتهـا بالدعـوة للديانة المسيحيـة والإساءة للديـن الإسـلامي والذهـاب بعيـداً بتكفيـرهـا والشـروع فـي رفـع دعـاوى حسبـة ضـدهـا.. ومـن منطلـق إيضـاح كامـل الصـورة للقـراء دون الانحيـاز لوجهـات نظـر بعينهـا ،ومـن بـاب الدفـاع عـن حـريـة التعبيـر للآراء مهمـا كانـت أوجـه الخـلاف معهـا، ولمـا طـال هـذا الموضـوع مـن الأهميـة علـى صعيـد حيـاتنـا الثقافيـة ، وكذلك مـن ضبابيـة وعـدم وضـوح للرؤيـة ، نستضيـف فـي هـذه المساحـة الروائيـة والمحاميـة الشابـة "وفـاء البوعيسـي" لتـوضيح وجهـة نظـرهـا بشـأن مـا يثـار حـول روايتها المثيـرة للجـدل مـن اتهـامـات طالتهـا شخصيـاً ووصلـت لأروقـة المحاكـم، وربمـا انعكسـت على حيـاتها الخاصـة بشكـل ٍ مـا، اتهامات فـرضت أسئلـة ملحـة حـول حـريـة الكاتـب؟، ومـدى مسـؤوليته عـن نصـه ؟ حتــى ولـو كـان روايـة ولـدت مـن المخيلـة اختلفـت التفسيـرات والتاؤيلات بشـأنها، ونـود أن ننـوه هنــا أن الانفتاح علـى كـل الآراء سـوى اتفقنـا أو اختلفنا معهـا يبقـى ظاهـرة صحيـة مهمـا راء البعـض وفقـاً لتأويلاتهـم مجانبتها للصـواب.
 
"للجوع وجوه أخرى" الرواية الأولى لكِ كان لها ردود فعل كبيرة بالوسط الثقافي والشارع الليبي على حدٍ سواء, وقد استثارت الأوساط المحافظة على وجه التحديد بدرجة غير مسبوقة تجاه رواية ليبية هي الأولى في اختراقها للقوالـب التقليدية المعروفة, فهل توقعت كل هذه الضجة حولها؟
 
فاجأني كثيراً اعتبارها سيرة ذاتية من البعض, بصراحة من المضحك جداً اعتبارها كذلك, إن الرجل البسيط يستطيع أن يدرك أبعاد اعتراف محام بجرائم ما, وأنها قد تفتح عليه أبواب القضاء طالما أقر بما أرتكب علناً وفي محرر باسمه لا يستطيع التنصل منه, توقعت أن يتم استهجان أن أكتب قليلاً في الجسد, أن يتم استنكار حديثي عن المسيحية, لكن أن تعتبر سيرة ذاتية أو تبشير بالمسيحية فإنني لم أتوقع شيئاً كهذا.
 
بعض النقاد رأى في روايتك سيرة ذاتية لوفاء البوعيسي كما مر بنا في إحدى المقالات المنشورة عنك بقورينا والتي اعتبرت ما جاء في النص من مضامين إنما يمثلك أنتِ ويعكس أرائك ومفاهيمك, ففي ضوء وجهة نظر كهذه التي سادت عنك هل لنا أن نعرف رأيك بصراحة؟
 
النص النسائي يعامل بتفرقة عنصرية قاتلة, فالمتلقي الرجل يقرأه وهو محمّل باستعداد مسبق لرد فعل قوي من حيث استعمال آلية من آليات الدفاع التي تحدد له ذكوريته المتشبعة بمنطقه المهيمن, إنه باختصار وبغيرما تجنٍ يرسخ آليته الدفاعية ضد أي سرد نسائي لأنه يرى فيه تهديد كامن لتوازنه, لذا نجده يندفع في التخيل على نحو مرضي, ومن المضحك أنه لا ينتظر المرحلة الأخيرة من عملية القراءة لكي يفسر ما قرأ بل ينخرط في عملية التفسير من لحظة وقوع نظره على العنوان واسم الكاتبة, إنه حتى لا يجهد نفسه أبداً في ربط النص بسياقاته الثقافية واللسانية والاجتماعية التي أنتجته وبضرورة المراهنة على نوايا النص ، بل على كونه متحدٍ معه فقط.
 
في تنكيرك لبطلة روايتك التي لم يرد اسمها على الإطلاق هل مثّل بالمقابل تعريف لموقفك أنت من الدين والمجتمع ؟ بمعنى آخر دعيني أسألك عن سر حجب اسمها هنا, أهو للدلالة على موقفك المعارض منهما؟
 
يسعني القول أن تنكير البطلة تقنية فنية لجأتُ إليها لجعلها تعريف لمنظومة النصوص التي تواجه المجتمع الذكوري ولغته، فتعتلي من خلال تلك المنظومة مساحات رفض تلك الذكورة، والتركيز على استبدالها بتشكيل الرفض لعقدة التفوق التي تسجل في المجتمع الليبي للرجل.
 
في تنكيرها تعريف بالبنية التحتية لتنمية المرأة التي تستوجب بالأساس خلخلة أصل الاستبداد والانفتاح على إمكانات الانخراط في تفكيك ماهية ما يحيلنا على نُسخ ممجوجة لامرأة متشظية تنتظر, لا تفعل شيئاً غير الانتظار.
 
في تنكيرها وشاية بالفكر الإسلامي المتقوقع الرافض لعملها والخائف من اختلاطه بها والممعن في حجبها خلف الأوشحة السوداء التي صيرتها كشبح ينسل هارباً منه إلى ظل الجدار والاحتماء به من السير معه على نفس الرصيف.
 
هذه الرواية التي أثارت كل ذلك الجدل واللغط من حولها أعتبرها البعض صرخة في وجه المجتمع وعاداته البالية, ورأى فيها البعض الآخر خروج عن الدين باتهام صريح بدأنا نتلمسه في حوارات المثقفين وفي بعض مواقع الإنترنت, وفاء كيف تقرئين كل هذا ؟
 
ربما لأن المرأة حبيسة كل الخطابات الرمزية المتمثلة في قوة احتواء الخطاب الذكوري لها في العرف والأسطورة والدين والعادات, وفي المجتمع الليبي يسعني القول أن الخروج عن العرف يكاد يماهي الخروج عن الدين إن لم يفقه حدة, وربما لأن المجتمع الليبي لم يعتد من المرأة الحديث بكل تلك القوة عن الدين مثله وعن العادات بشكل أقسى منه, لقد اعتادها تنتظره زوجاً وممولاً لا نداً.
 
بالحقيقة إن المتابع لحياتنا الثقافية والمشهد الثقافي بليبيا سيلمس حتماً تشابهاً في وضعك الحالي مع ما تعرض له الصادق النيهوم بنهاية الستينات وكذلك كتابات المستشار الدكتور مصطفى كمال المهدوي إلا أن كونك امرأة قد يحدث فارقاً ما في رأيي فما تعليقك؟
 
إن ما تعرض له الصادق النيهوم والمستشار مصطفى المهدوي كان ينصب على عمل علمي صرف هو بالأساس إعادة قراءة وتفسير للنص القرآني أو النبوي الشريف, وقد تعرض الكاتبان إلى تقديم أرائهما الشخصية بمؤلفاتهما بعد دراسة تاريخية للنصوص موضوع البحث, وسواء اتفقت معهما أو اختلفت يبقى موضوع تكفيرهما والتهجم عليهما هو من واقع تعرضهما لنصوص مقدسة جاءت في سياق بحث علمي, أما أنا فللأسف كُفرت وهوجمت بسبب عمل أدبي يتأسس على شخوص تتحرك ضمن إطار سردي ما, وما أثار علي الشارع الليبي ليس أنني انتقدت نصاً سماوياً أو شريفاً أبديت فيه رأياً على الإطلاق بل لمجرد تناولي مسألة تغيير المعتقد , ونحن نعرف أن ثمة رأي قوي في الفقه وسنده في ذلك القرآن الكريم يمنع تبديل الدين سيما من الإسلام إلى غيره, هنا وقع الرفض, تناولي لمسألة الحديث عن تغيير المعتقد وحريته وتأطيرها في عمل روائي أدبي هو ما أثار مسألة التكفير السخيفة تلك.
 
الجانب السياسي الذي تناولته الرواية هل يمثل اتجاه الكاتبة فكرياً وإيديولوجياً أم أنه وظِف فقط لخدمة مسار النص السردي؟
 
يا عزيزي, في ليبيا أو في أي بلد عربي آخر لا تستطيع ولا يمكنك إلا أن تتعاطى السياسة, ورغماً عنا نحن معنيون بها وإن كانت هي غير معنية بنا على الإطلاق , ستطل علينا لجوجة ومقيتة ولو أقفلنا دونها الباب , وطالما تشهد ليبيا صرعة الإصلاح والترميم لعلاج تلك التركة المثقلة بالأخطاء فنحن مجبرون على خوضها والإدلاء برأينا فيها, وبالنسبة للنص فهو مفتوح على الكثير من الاحتمالات.
 
المشهد الروائي النسوي بليبيا ـ إن جاز لي التعبير ـ والمتمثل في كاتبات رائدات أمثال مرضية النعاس, شريفة القيادي , فوزية شلابي وغيرهن تمرد بنسقه نوعاً ما لكنه لم يصطدم ربما بالمجتمع أو الدين كما فعلتِ بنصكِ فربما كان لعامل الزمن دور في ذلك فهل تعتقدين أن المرحلة الحالية تحتم لحظة الصدام أو الانفجار؟
 
دعني أختلف معك قليلاً, رواية "للجوع وجوه أخرى" لا تتناول شبكة العلاقات الاجتماعية وعلاقتها بالدين في الألفية الثالثة , إنها تتحدث عن هذه الشبكة المقززة في السبعينات حتى بداية التسعينات , يعني أنها توجه خطابها لأشد تلك الفترات انغلاقا, حيث كان كل شيء عيب على المرأة, وعندما كتبت المرأة الليبية شيئاً آنئذ خضع نصها لهذه الخطابات المنضدة والتعسة وصاغها بنفس اللغة, سأتفق معك أن بعضها تميز بتمرد ما لكنه تمرد خجول يبحث عن قيمة, وعن احترام, لا عن فعل, نص "للجوع وجوه أخرى" نفس الشيء, يبحث في الماضي الليبي في عقدي السبعينات والثمانينات, إنه يعلن عن أخطاء الماضي ويطلب تجاوزها لأنها لازالت مستمرة, ولكن ربما لأنه جاء في نهاية 2006 جاء بهذه اللغة المنفردة ليعبر عن ضرورة الخلاص من ذلك الموروث القبيح من العادات الظالمة والرافضة والمثقلة بخطاب الدين والعيب.
 
يتردد في الأوساط الثقافية بليبيا أنك تواجهين قضايا بشأن التكفير والحسبة من قِبل البعض هلا حدثتنا عن مدى صحة ذلك؟
 
نعم للأسف, ثمة شكوى جنائية موجهة ضدي وضد رئيس تحرير مجلة المؤتمر التي تبنت طباعة الرواية, تتضمن توجيه تهم الإساءة لدين الدولة والتلفظ بألفاظ بذيئة, والتبشير بالمسيحية, كما تطال الشكوى أيضاً موزعي الرواية, وتلتمس من النيابة معاقبتي بأشد العقوبات مع منع الرواية ومنع إعادة طبعها وتسويقها, بالإضافة إلى ذلك هناك تلويح في وجهي الآن من أحد المحامين برفع دعوى حسبة تطالب بمنع نشر الرواية أو طباعتها من جديد, هذه الدعوى من المحتمل أن يشرع فيها على حد قول ذلك المحامي أحد المحامين السابقين في دعوى الحسبة التي رفعت ضد المستشار السابق مصطفى كمال المهدوي.
 
وعلمت مؤخرا أن ثمة من يحشد عشرات التوقيعات من أشخاص مختلفي المشارب بين أوقاف ومثقفين ومحامين للجهات المسئولة لمنع تداول الرواية.
 
هل ترين أن الجدل الذي أثير حول روايتك "للجوع وجوه أخرى" والدعاوى المزمع رفعها ضدك أو التي رفعت بالفعل تحتم عمل المثقفين على ضرورة أخذ موقف للدفاع عن حرية التعبير والإبداع؟
 
أعتقد أن على المثقف أن يتحمل مسؤوليته في الدفاع عن حقه في التعبير عن نفسه, وأنا أدافع عن حقي بقول لا لثقافة الهيمنة والتسلط والاستبداد التي يعيشها كلانا ـ أنا والرجل معاً ـ, ومن مصلحة المبدعين عموماً التلاحم واتخاذ موقف واضح تجاه حرية الإبداع.
 
دعيني أكون صريحاً معك بشأن ما أثير حول استهزاءك بالدين والذي اتجه البعض إلى اعتباره متعمداً منك وهذا ما أوقعك في مشاكل كنت بغنى عنها, فبصراحة وفاء هل تعاملت مع روايتك كمُتَخيل أما أن بها إسقاطات ما على الواقع؟
 
أولاً ليس من العدالة اعتبار حديثي عن الصلاة من أن مواقيتها متقاربة جداً وتحيلك إلى نوع من الترديد الديني الرتيب هو محض استهزاء, إنها تشير إلى استنكار فرض الأمور على الآخر بالقوة, إنها تحيي القول بوجوب إتباع الموعظة الحسنة في الإرشاد والنصح بدل الزجر , وهذا تحديداً ما جعل بطلتي تتنصر, فرض الأمور عليها بالقوة, وثانياً سأكرر أن الرواية تطرقت لا لجوهر الدين الإسلامي بل لإشكالية الخطاب الديني المتشدد الآن, الفكر الإسلامي الذي بات يستدعي البداوة من مخزونها.
 
سؤال لم أكن أود أن أطرحه عليك لكن أملته عليّ ضرورة ما بدأ يثار بشأنك الآن, ما هي علاقتك بالدين الإسلامي؟
 
الإسلام بالنسبة لي علاقة ذاتية تربط بين الفرد وخالقه, علاقة تقع داخل الإنسان لا خارجه, وفي علاقة كتلك ينتف الحق في السؤال عن إعلان موقفك منه, وأنا كمسلمة لا يشغلني ولا يعنيني في شيء إعلان علاقتي لفرد لا يمكنه ولا يستطع أن يصل إلى حدود إيماني بالله تعالى.
 
كلمة أخيرة لمن أساء فهم روايتك.
 
كانت الرواية صادمة, أقدر ذلك, وأستطيع أن أتخيل الآن حجم وسبب الرفض الذي رافقها, لكن لا بأس, اثنتان أو ثلاث أخرى منها ستجعل المجتمع الليبي يتقبلها, يناقشها ربما بقوة ولكن دون عداء أو مصادرة, وأشكركم على هذا الحوار اللطيف الذي جاء بوقته.
 

 
ملاحظــات:
• أجـري الحــوار بتــاريـخ 4 / 12 / 2007 . م
• ونشر بالعدد السادس من مجلة واعتصموا و بوابة ليبيا كاملا.