الأحد، 24 أغسطس 2014

حوارا مع الروائية الليبية وفـاء البوعيسـي...حاورها: حمد المسماري

ربمـا لـم تثـر روايـة ليبيــة تسـاؤلات وردود فعـل كبيـرة ومتباينـة تجـاه كاتبهـا بمثـل مـا أثـارت الروايـة الأولـى للروائيـة الشابـة وفـاء البوعيسـي "للجــوع وجــوه أخـرى" الصادرة ضمـن منشـورات مجلـة المؤتمـر للعـام 2006 . م ووصلـت ردود الفعـل إلـى درجـة ذهـاب البعـض لاتهـام كاتبتهـا بالدعـوة للديانة المسيحيـة والإساءة للديـن الإسـلامي والذهـاب بعيـداً بتكفيـرهـا والشـروع فـي رفـع دعـاوى حسبـة ضـدهـا.. ومـن منطلـق إيضـاح كامـل الصـورة للقـراء دون الانحيـاز لوجهـات نظـر بعينهـا ،ومـن بـاب الدفـاع عـن حـريـة التعبيـر للآراء مهمـا كانـت أوجـه الخـلاف معهـا، ولمـا طـال هـذا الموضـوع مـن الأهميـة علـى صعيـد حيـاتنـا الثقافيـة ، وكذلك مـن ضبابيـة وعـدم وضـوح للرؤيـة ، نستضيـف فـي هـذه المساحـة الروائيـة والمحاميـة الشابـة "وفـاء البوعيسـي" لتـوضيح وجهـة نظـرهـا بشـأن مـا يثـار حـول روايتها المثيـرة للجـدل مـن اتهـامـات طالتهـا شخصيـاً ووصلـت لأروقـة المحاكـم، وربمـا انعكسـت على حيـاتها الخاصـة بشكـل ٍ مـا، اتهامات فـرضت أسئلـة ملحـة حـول حـريـة الكاتـب؟، ومـدى مسـؤوليته عـن نصـه ؟ حتــى ولـو كـان روايـة ولـدت مـن المخيلـة اختلفـت التفسيـرات والتاؤيلات بشـأنها، ونـود أن ننـوه هنــا أن الانفتاح علـى كـل الآراء سـوى اتفقنـا أو اختلفنا معهـا يبقـى ظاهـرة صحيـة مهمـا راء البعـض وفقـاً لتأويلاتهـم مجانبتها للصـواب.
 
"للجوع وجوه أخرى" الرواية الأولى لكِ كان لها ردود فعل كبيرة بالوسط الثقافي والشارع الليبي على حدٍ سواء, وقد استثارت الأوساط المحافظة على وجه التحديد بدرجة غير مسبوقة تجاه رواية ليبية هي الأولى في اختراقها للقوالـب التقليدية المعروفة, فهل توقعت كل هذه الضجة حولها؟
 
فاجأني كثيراً اعتبارها سيرة ذاتية من البعض, بصراحة من المضحك جداً اعتبارها كذلك, إن الرجل البسيط يستطيع أن يدرك أبعاد اعتراف محام بجرائم ما, وأنها قد تفتح عليه أبواب القضاء طالما أقر بما أرتكب علناً وفي محرر باسمه لا يستطيع التنصل منه, توقعت أن يتم استهجان أن أكتب قليلاً في الجسد, أن يتم استنكار حديثي عن المسيحية, لكن أن تعتبر سيرة ذاتية أو تبشير بالمسيحية فإنني لم أتوقع شيئاً كهذا.
 
بعض النقاد رأى في روايتك سيرة ذاتية لوفاء البوعيسي كما مر بنا في إحدى المقالات المنشورة عنك بقورينا والتي اعتبرت ما جاء في النص من مضامين إنما يمثلك أنتِ ويعكس أرائك ومفاهيمك, ففي ضوء وجهة نظر كهذه التي سادت عنك هل لنا أن نعرف رأيك بصراحة؟
 
النص النسائي يعامل بتفرقة عنصرية قاتلة, فالمتلقي الرجل يقرأه وهو محمّل باستعداد مسبق لرد فعل قوي من حيث استعمال آلية من آليات الدفاع التي تحدد له ذكوريته المتشبعة بمنطقه المهيمن, إنه باختصار وبغيرما تجنٍ يرسخ آليته الدفاعية ضد أي سرد نسائي لأنه يرى فيه تهديد كامن لتوازنه, لذا نجده يندفع في التخيل على نحو مرضي, ومن المضحك أنه لا ينتظر المرحلة الأخيرة من عملية القراءة لكي يفسر ما قرأ بل ينخرط في عملية التفسير من لحظة وقوع نظره على العنوان واسم الكاتبة, إنه حتى لا يجهد نفسه أبداً في ربط النص بسياقاته الثقافية واللسانية والاجتماعية التي أنتجته وبضرورة المراهنة على نوايا النص ، بل على كونه متحدٍ معه فقط.
 
في تنكيرك لبطلة روايتك التي لم يرد اسمها على الإطلاق هل مثّل بالمقابل تعريف لموقفك أنت من الدين والمجتمع ؟ بمعنى آخر دعيني أسألك عن سر حجب اسمها هنا, أهو للدلالة على موقفك المعارض منهما؟
 
يسعني القول أن تنكير البطلة تقنية فنية لجأتُ إليها لجعلها تعريف لمنظومة النصوص التي تواجه المجتمع الذكوري ولغته، فتعتلي من خلال تلك المنظومة مساحات رفض تلك الذكورة، والتركيز على استبدالها بتشكيل الرفض لعقدة التفوق التي تسجل في المجتمع الليبي للرجل.
 
في تنكيرها تعريف بالبنية التحتية لتنمية المرأة التي تستوجب بالأساس خلخلة أصل الاستبداد والانفتاح على إمكانات الانخراط في تفكيك ماهية ما يحيلنا على نُسخ ممجوجة لامرأة متشظية تنتظر, لا تفعل شيئاً غير الانتظار.
 
في تنكيرها وشاية بالفكر الإسلامي المتقوقع الرافض لعملها والخائف من اختلاطه بها والممعن في حجبها خلف الأوشحة السوداء التي صيرتها كشبح ينسل هارباً منه إلى ظل الجدار والاحتماء به من السير معه على نفس الرصيف.
 
هذه الرواية التي أثارت كل ذلك الجدل واللغط من حولها أعتبرها البعض صرخة في وجه المجتمع وعاداته البالية, ورأى فيها البعض الآخر خروج عن الدين باتهام صريح بدأنا نتلمسه في حوارات المثقفين وفي بعض مواقع الإنترنت, وفاء كيف تقرئين كل هذا ؟
 
ربما لأن المرأة حبيسة كل الخطابات الرمزية المتمثلة في قوة احتواء الخطاب الذكوري لها في العرف والأسطورة والدين والعادات, وفي المجتمع الليبي يسعني القول أن الخروج عن العرف يكاد يماهي الخروج عن الدين إن لم يفقه حدة, وربما لأن المجتمع الليبي لم يعتد من المرأة الحديث بكل تلك القوة عن الدين مثله وعن العادات بشكل أقسى منه, لقد اعتادها تنتظره زوجاً وممولاً لا نداً.
 
بالحقيقة إن المتابع لحياتنا الثقافية والمشهد الثقافي بليبيا سيلمس حتماً تشابهاً في وضعك الحالي مع ما تعرض له الصادق النيهوم بنهاية الستينات وكذلك كتابات المستشار الدكتور مصطفى كمال المهدوي إلا أن كونك امرأة قد يحدث فارقاً ما في رأيي فما تعليقك؟
 
إن ما تعرض له الصادق النيهوم والمستشار مصطفى المهدوي كان ينصب على عمل علمي صرف هو بالأساس إعادة قراءة وتفسير للنص القرآني أو النبوي الشريف, وقد تعرض الكاتبان إلى تقديم أرائهما الشخصية بمؤلفاتهما بعد دراسة تاريخية للنصوص موضوع البحث, وسواء اتفقت معهما أو اختلفت يبقى موضوع تكفيرهما والتهجم عليهما هو من واقع تعرضهما لنصوص مقدسة جاءت في سياق بحث علمي, أما أنا فللأسف كُفرت وهوجمت بسبب عمل أدبي يتأسس على شخوص تتحرك ضمن إطار سردي ما, وما أثار علي الشارع الليبي ليس أنني انتقدت نصاً سماوياً أو شريفاً أبديت فيه رأياً على الإطلاق بل لمجرد تناولي مسألة تغيير المعتقد , ونحن نعرف أن ثمة رأي قوي في الفقه وسنده في ذلك القرآن الكريم يمنع تبديل الدين سيما من الإسلام إلى غيره, هنا وقع الرفض, تناولي لمسألة الحديث عن تغيير المعتقد وحريته وتأطيرها في عمل روائي أدبي هو ما أثار مسألة التكفير السخيفة تلك.
 
الجانب السياسي الذي تناولته الرواية هل يمثل اتجاه الكاتبة فكرياً وإيديولوجياً أم أنه وظِف فقط لخدمة مسار النص السردي؟
 
يا عزيزي, في ليبيا أو في أي بلد عربي آخر لا تستطيع ولا يمكنك إلا أن تتعاطى السياسة, ورغماً عنا نحن معنيون بها وإن كانت هي غير معنية بنا على الإطلاق , ستطل علينا لجوجة ومقيتة ولو أقفلنا دونها الباب , وطالما تشهد ليبيا صرعة الإصلاح والترميم لعلاج تلك التركة المثقلة بالأخطاء فنحن مجبرون على خوضها والإدلاء برأينا فيها, وبالنسبة للنص فهو مفتوح على الكثير من الاحتمالات.
 
المشهد الروائي النسوي بليبيا ـ إن جاز لي التعبير ـ والمتمثل في كاتبات رائدات أمثال مرضية النعاس, شريفة القيادي , فوزية شلابي وغيرهن تمرد بنسقه نوعاً ما لكنه لم يصطدم ربما بالمجتمع أو الدين كما فعلتِ بنصكِ فربما كان لعامل الزمن دور في ذلك فهل تعتقدين أن المرحلة الحالية تحتم لحظة الصدام أو الانفجار؟
 
دعني أختلف معك قليلاً, رواية "للجوع وجوه أخرى" لا تتناول شبكة العلاقات الاجتماعية وعلاقتها بالدين في الألفية الثالثة , إنها تتحدث عن هذه الشبكة المقززة في السبعينات حتى بداية التسعينات , يعني أنها توجه خطابها لأشد تلك الفترات انغلاقا, حيث كان كل شيء عيب على المرأة, وعندما كتبت المرأة الليبية شيئاً آنئذ خضع نصها لهذه الخطابات المنضدة والتعسة وصاغها بنفس اللغة, سأتفق معك أن بعضها تميز بتمرد ما لكنه تمرد خجول يبحث عن قيمة, وعن احترام, لا عن فعل, نص "للجوع وجوه أخرى" نفس الشيء, يبحث في الماضي الليبي في عقدي السبعينات والثمانينات, إنه يعلن عن أخطاء الماضي ويطلب تجاوزها لأنها لازالت مستمرة, ولكن ربما لأنه جاء في نهاية 2006 جاء بهذه اللغة المنفردة ليعبر عن ضرورة الخلاص من ذلك الموروث القبيح من العادات الظالمة والرافضة والمثقلة بخطاب الدين والعيب.
 
يتردد في الأوساط الثقافية بليبيا أنك تواجهين قضايا بشأن التكفير والحسبة من قِبل البعض هلا حدثتنا عن مدى صحة ذلك؟
 
نعم للأسف, ثمة شكوى جنائية موجهة ضدي وضد رئيس تحرير مجلة المؤتمر التي تبنت طباعة الرواية, تتضمن توجيه تهم الإساءة لدين الدولة والتلفظ بألفاظ بذيئة, والتبشير بالمسيحية, كما تطال الشكوى أيضاً موزعي الرواية, وتلتمس من النيابة معاقبتي بأشد العقوبات مع منع الرواية ومنع إعادة طبعها وتسويقها, بالإضافة إلى ذلك هناك تلويح في وجهي الآن من أحد المحامين برفع دعوى حسبة تطالب بمنع نشر الرواية أو طباعتها من جديد, هذه الدعوى من المحتمل أن يشرع فيها على حد قول ذلك المحامي أحد المحامين السابقين في دعوى الحسبة التي رفعت ضد المستشار السابق مصطفى كمال المهدوي.
 
وعلمت مؤخرا أن ثمة من يحشد عشرات التوقيعات من أشخاص مختلفي المشارب بين أوقاف ومثقفين ومحامين للجهات المسئولة لمنع تداول الرواية.
 
هل ترين أن الجدل الذي أثير حول روايتك "للجوع وجوه أخرى" والدعاوى المزمع رفعها ضدك أو التي رفعت بالفعل تحتم عمل المثقفين على ضرورة أخذ موقف للدفاع عن حرية التعبير والإبداع؟
 
أعتقد أن على المثقف أن يتحمل مسؤوليته في الدفاع عن حقه في التعبير عن نفسه, وأنا أدافع عن حقي بقول لا لثقافة الهيمنة والتسلط والاستبداد التي يعيشها كلانا ـ أنا والرجل معاً ـ, ومن مصلحة المبدعين عموماً التلاحم واتخاذ موقف واضح تجاه حرية الإبداع.
 
دعيني أكون صريحاً معك بشأن ما أثير حول استهزاءك بالدين والذي اتجه البعض إلى اعتباره متعمداً منك وهذا ما أوقعك في مشاكل كنت بغنى عنها, فبصراحة وفاء هل تعاملت مع روايتك كمُتَخيل أما أن بها إسقاطات ما على الواقع؟
 
أولاً ليس من العدالة اعتبار حديثي عن الصلاة من أن مواقيتها متقاربة جداً وتحيلك إلى نوع من الترديد الديني الرتيب هو محض استهزاء, إنها تشير إلى استنكار فرض الأمور على الآخر بالقوة, إنها تحيي القول بوجوب إتباع الموعظة الحسنة في الإرشاد والنصح بدل الزجر , وهذا تحديداً ما جعل بطلتي تتنصر, فرض الأمور عليها بالقوة, وثانياً سأكرر أن الرواية تطرقت لا لجوهر الدين الإسلامي بل لإشكالية الخطاب الديني المتشدد الآن, الفكر الإسلامي الذي بات يستدعي البداوة من مخزونها.
 
سؤال لم أكن أود أن أطرحه عليك لكن أملته عليّ ضرورة ما بدأ يثار بشأنك الآن, ما هي علاقتك بالدين الإسلامي؟
 
الإسلام بالنسبة لي علاقة ذاتية تربط بين الفرد وخالقه, علاقة تقع داخل الإنسان لا خارجه, وفي علاقة كتلك ينتف الحق في السؤال عن إعلان موقفك منه, وأنا كمسلمة لا يشغلني ولا يعنيني في شيء إعلان علاقتي لفرد لا يمكنه ولا يستطع أن يصل إلى حدود إيماني بالله تعالى.
 
كلمة أخيرة لمن أساء فهم روايتك.
 
كانت الرواية صادمة, أقدر ذلك, وأستطيع أن أتخيل الآن حجم وسبب الرفض الذي رافقها, لكن لا بأس, اثنتان أو ثلاث أخرى منها ستجعل المجتمع الليبي يتقبلها, يناقشها ربما بقوة ولكن دون عداء أو مصادرة, وأشكركم على هذا الحوار اللطيف الذي جاء بوقته.
 

 
ملاحظــات:
• أجـري الحــوار بتــاريـخ 4 / 12 / 2007 . م
• ونشر بالعدد السادس من مجلة واعتصموا و بوابة ليبيا كاملا.

الاثنين، 21 يوليو 2014

سؤال في الدراما الدينية ... حمد المسماري

المتتبـع للفضـائيـات العربيـة فـي الفتـرة الأخيــرة ، لابـد أن يستـوقفـه ذلـك المسلسـل الإيرانـي المــدبلــج إلــى العربيــة (مريــم المقـدســة) الـذي يتنـاول قصـة حيـاة السيــدة مـريـم العـذراء ، وولادتهــا للمسيــح (عيســى) عليــه الســلام ، والــذي قــدم برؤيــة إســلاميــة شيعيــة متـوافقــة مـع النــص القــرآنـــي لـولادة السيــــد المسيــــــح .. ومــا يــدفــع المــرء إلــى التـوقــف أمــام هــذا العمــل ذو الإمكــانات الفنيــة الضخمـــة ، هـــو النقلــة التــي حــدثــت فــي مــا يمكــن تسميتـــه بالــدرامــا الــدينيــة ، وظهـــور بعــض الشخصيــات التـي اعتـــدنا تحــريم ظهــورهـا فـي المســرح والخيــالـة والمــرئيــة مــن الأزهر الشــريف وغيــره مــن المرجعيات الـدينيــة المختلفــة مجســدة بممثليــن .

فتقــديــم شخصيــة مــريــم المقــدســة بممثلتيــن فـي مـراحـلهــا السنيــة المختلفــة ، وظهــور النبــي زكــريــا والنبـــي يحيى وكــذلـك المسيــح مــع إخفــاء وجــوههــم بهــالات نــورانيــة ، وكــذلـك سمــاع صــوت الــوحــي سيــدنا جبــريـل عليــه الســـلام .. كــل هــذه الشخصيــات تنــاولتهــا ســور وآيــات القــرآن الكــريــم باستفاضــة ، وقــدمهــا الإيرانيــون مجســدة بصــور مختلفــة أراهــا أعطــت إقنــاع لعملهـــم الــدرامــي للمتلقــي أكثــر ممــا لــو أخفــوهــا كليــاً مكتفييـــن بصــوت راوٍ للأحــداث كمــا حــدث مــع تجــربتنــا فــي الفيلـــم العــالمــي (الرســالـة) وتغييــب الكثيـــر مــن الشخصيات حتــى غيــر المذكــورة فــي القـــرآن أصـــلاً ممــا أضعــف مـن قــوة العمـــل الــذي مــا يزال حتــى الآن ترفــض عــرضــه الكثيـــر مــن الــدول الإســـلاميــة رغــم ذلــك .

وبكـل أسـف نـلاحظ أن تـاريـخ الشخصيــة الإســلاميـة فــي الـدرامـا العــربيــة يتصــف بالســذاجـة المفـرطـة بـدايـةً مـن أفــلام المخــرج محمــد عمــارة (فجــر الإســـلام - الشيمــــاء) وغيــرهـا ، ومــروراً بعشــرات المسـلسـلات المـــرئيــة ، حيــث نجــد الشخصيــة الإســلاميـة تقـــدم بصــورة مشــرقــة بالغــة النظــافـة والأنـاقــة ، مـرتـديــة أثــوابـاً بيضـــاء تـوحــي بالبــراءة والطيبـــة ، يـؤديهــا ممثلــون وسيمــون ، بينمــا الشخصيــات المسيحيــة واليهــوديــة تقـــدم متلفعــة بالســواد ويقــدح الشــرر مـن عيــون ممثليهــا ، وأصواتهــــم الخشنـــة ، ومــلامحهــم المنفـــرة .. مــع أنهــم ينتمــون إلــى ديـانات أمــرنـا اللــه فــي كتـابـه الكــريــم باحترامهـــا وعــدم مقــاطعتهــا قـائـلاً سبحــانــه وتعــالــى "لكــم دينكـــم ولــي دين" صــدق اللــه العظيــم .. وكــان مــن بيــن هــــؤلاء الأقــوام بعــض مـن جــاء إلـى جــزيرة العــرب وأستـوطنهــا مبشــراً بقــدوم النبــي المنتظــر خـاتـم الأنبيــاء محمــد عليــه الصــلاة والســـلام ، مثــل (ورقــة بــن نــوفــل) وغيــره مـن القســاوسـة والرهبـان الــذين انتشــروا فــي جــزيـرة العــرب قبيــل ظهــور الإســلام ، ونـزول الــوحــي علـى النبــي محمـد بن عبـد اللـه عليـه الســلام والــواقــع أن تحــريــم الرســـم والنحــت ، والتمثيــل المســرحــي والسينمــائـي جعلنــا نحــن المسلميـن أصحــاب الحضــارة الـوحيــدة الغــائبــة علــى خــارطــة متـاحــف العــالــم إلا مـن خــلال المخطــوطــات وجـداريـات الفسيفســاء المعمــاريــة ، واختفــى تـاريخنــا المصــور وفقــاً للفتــاوى المـريبــة للفقهـــــاء عبــر كــل العصــور ، ولــم يتجســد كتحــف فنيــة مــن تمــاثيــل ورســومــات وغيـــره مـن صنـوف الفـــن وكمــا قــال المفكــر الراحــل الصــادق النيهــوم :

" فتـــوى غــريبــة أدت إلــى إهمــال الرســم والنحــت فــي حضــارة المسلميــن حتــى مطلـــع العصــر الحــديــث ، وأرغمــت الرســامين علــى تجــاهـل المجتمــــع والطبيعــة معــاً ، بحيــث أنعــدم الفــن التسجيلـــي نهــائيــاً فلــم تنتــج الحضــارة الإســـلاميــة لــوحــة وثـائقيــة واحــدة عــن لــون الحيــاة فيهــا طــوال ألــف سنــة علــى الأقــل ، وفيمــا تزدحــم المتـاحــف العــالميــة باللــوحــات والتمــاثيــل التـي تجســد مــلامــح المجتمعــات فــي جميــع الحضــارات القــديمــة ، يضيــع وجــه الحضــارة الإســلاميــة وتغيــب ذاكــرتهــا فــي غبــار التــــاريــخ بسبــب فتــوى مــريبــة لا مبــرر لهــا ســوى الجهل المطلق أو ســـــوء النيـــة ، فليــس ثمــة نـص دينــي واحـــد فـي أيـة لغــة أو أي عصــر يحـرم الرســم والنحــت ســوى نــص التــوراة فــي أمــر مــوجــه لتحــريـم عبــادة الأصنـــام فرضتــه ظــروف تـاريخيــة متعلقــة بمــاضــي اليهـــود الـوثنــي ولــم يكـــــن مــن المعقـــول أن يقبــلـه الفقــه الإســلامـي بعــد ذلـك " .

والمــلاحـظ أيضـــاً فـي ثقــافتنــا العــربيــة والإســلاميــة تحـاشيهــا الخــوض فـي نقــاش مثــل هــذه المســائـل التــي هــي قطعــاً علــى درجــة عــاليــة مـن الأهميــــة فــي عـالمنــا المتغيــر بنمــط متســارع إلــى حـــــد الجنــــون .

وبعيـــداً عــن الجــدل فــي نصــوص فتــاوى التحــريــم التــي اكتسبــت حصــانــة مقــدســة مــع الـزمــن بغـــض النظــر عــن مــدى مصـــداقيتهــا ومـوضــوعيتهـــا .. فهنــاك بعــض الآراء التـي تـذهــب إلـى القــول "أن ظهــور صــور الأنبيــاء والصحــابــة مـن قبــل ممثليــن" يـســـــيء إلــى جــلالهــا وقــداستهــا ويكــرس فــي مخيلــة المتلقــي مــلامحهــم بصــور مـن قـامــوا بتقمصهــــا" . وربمــا كــان هــذا القــول علــى درجــة مـن المــوضـوعيــة ، ولكــن مـع فرضيــة واحــدة فقـــط تعتمـد ســذاجــة عقليــة المشــاهــد ومثــال علـى ذلـك الــدور الشهيــر الــذي قــدمــه الممثــل المعروف (شــارلتـون هيستــون) فــي خمسينيــات القــرن المــاضــي بتجسيــده شخصيـــة النبــي مــوســى عليــه الســـلام فــي الفيلــم العــالمـــي (الــوصــايـا العشـــــــر) فــلا أحـــد ممــن أتيــح لــه مشــاهــدة ذلـك العمــل التــاريخــي الضخــم يــرى سيــدنـا مــوســى علــى صــورة ذلـك الممثــل الأمــريكــي ، ولــم يكــن بالإمكــان تقــديــم العمــل بشكــل مقنــــع فيمــــا لــو أخفيــت الشخصيــة الرئيسيــــــة فــي الأحـــــــداث ، وهــذا مــا دفـــع المخــرج العــالمــي (مصطفــى العقــاد) إلــى القـــول فـي أحــد حـــواراتـه التلفـزيونيــة فـي معــرض حــديثــه عــن فيلــم الرســالـة أنــه لقـي صعــوبـات فــي هــذا الجــانــب المعقـــد مــن المســألــة .

والمـــلاحــظ أن التحــريــم المطلـــق للكثيــر مــن الأمــور المتعلقــة بحيــاتنــا وواقعنــا ، قـــد جعــل منــــا كمسلميــن أكثــر شعــوب العــالــم تخلفــاً ، وجعلنــا مجــرديــن مــن الحيــاد والــرؤيــة المتـزنــة الــواعيــة لحقــائــق الأشيـــاء ، ومسكــونيــن بخـــوف غــريـزي حتــــى مـن النظــر فــي وجــه امــرأة جميلــة تمــر مـن جــانبنــا رغــم أن اللــه جميــل يحــب الجمــال ، فعــالمنــا الــذي نعيــشه فــي هــذا العصـــر لــم يعــد يحتمــل كــل هــذا التعقيــد الفكــري والقيــود غيــر المبررة بــدرجـة كــافية معــرفيــاً .

ولـم يعــد مـن المنطــق فـي شــيء دفــن رؤوسنــــا فـي الرمــال كمــا النعــام ، وإخفــاء عيــن الشمــس بغــربــال ، وهــي لعبــة أجــادهــا مصلحــونــا ببــراعــة حــواة السيـــرك ، طــوال تـاريخنــا الغــارق فــي الــدمــاء والحـــزن ، والـــدمــوع .. وليــس الهــدف مـن هــذا الحــديـث الــدخــول مجــدداً مــن بــوابــة جــدلنــا العقيـــم الــذي لا يعــرف الانتهــــاء لقضــايــا حسمــت فــي ثقــافـات الآخـــرين مـن قــرون طــويلـــة ، بــل هــي أفكــار عــابـرة فــي أفـــق روح قلقــه ، ربمــا تعــانــق نفــوس حــائـرة تهيـــم فــي أفــاق أخـــرى نـاشــدت للحقيقـــــة فــي ملكـــوت اللــــــــه .

ولـــم يعــــد مبــرراً أيضــاً ، أن تصبـــح صــورتنــا كعـــرب ومسلميـــــن مشـــوهــة إلــى هــذه الــدرجــة المحــزنــة عنــد الآخـــريـن ، نتيجـــــة أفكــارنــا المشـــوشــة لفهــم إســلامنــا الحنيــف المجنـــــي عليـــه بسلطـــة الفقهـــــــاء .. وأن تصبــح صــورتنــا بكــل أســف ، متجســـدة للعـــالــم علــى هيئـــــــة أصحـــاب اللحـــى المغبـــرة لمـــدعـــي الإســـلام الأصــولــي ، الغــارقيـــن فــي الجهـــــل ، والتخلـــف والـــــــدمــاء .. وبــدل أن نكــون خيــر أمـــة أخــرجــت للنــــاس شكــلاًً ومــوضــوعــاًً صــرنــا أشـــــــرس أمــــة وجــدت فـــي عــالــم النـــاس ، ولا تنقصنـــا الأمثلـــة … وللحـــديــث بقيـــة .


سبق النشر بموقع  أفق : الأثنين 01 سبتمبر 2003

الخميس، 17 يوليو 2014

من أغانى الغجر..حمد المسمارى


مهداه إلى شاعر الحب والموت والحرية 
وناظم أناشيد الحزن العميق... إلى محمد الشلطامي


"الموت لا يزور الناس عند الفجر "
أغنية رددها المغني الجوال
في قوافل الغجر
أخفت الغيوم في المساءات الحزينة
القمر ..
هجر العشاق حلقة
السمر ..
وما توقف نزف الجراحات العميقة
طوال رحلة الأيام وسنوات
العمر ..

* * * * *

تغامر وحدك مع الزمان
والأماني
تضج في الفؤاد كالحريق
تجوب كل ليلة مدينة الأحزان
والكآبة
تنشد الطريق
أيامك أنفقتها في رحلة
الفقدان ..
دموعك ذرفتها وقحل
الوجدان ..
تسير وتسير
عبر عتمة الدروب
تبحث عن مكان
تحس في أركانه شيء
من الأمان
تبحث عنها بأسى
منارة الإنسان
منارة يقول الرؤاة عليها
ما عاد من شد الرحال إليها
وماعرف الذاهبون
أين المسير
ولا عائدون فندري
المصير
وها أنت وحدك تغذ الخطا
إلى مستحيل الآفاق
وتعرف أن الدروب طويلة
وأن الصعود
احتراق احتراق
وان المراد بعيد بعيد
وزادك عبر الرحال
اشتياق
وكلمة من التي أحببتها
"
أشعر بالضياع "
سمعتها في لحظة الوداع

* * * * *

بكيت وحيدا
اختلطت دموعك بالمطر
واحتواك خوف كل هذه
السنين
وصرخات من أحببت
من وجوه
في عوالم مجهولة
تعود بغرابة لزمن الطفولة
ويتراءى وجهها
كطيف حلم عابر
يحجبها الضباب
وبنادق الجنود
في المعابر ..

* * * * *

لن تزهر الزنابق
فهذه القفار يا صديقنا
مرصودة بالموت منذ
البدء ..
وهذه الديار يا صديقنا
قد نسيت أعراسها وسنوات
المجد
تطول رحلاتنا
والصوت في البعيد لم يزل
"
الموت لا يزور الناس عند الفجر "
حانت النهاية الحزينة
وكتبت مرثية العمر

 بنغازى 6 مارس2001

الصادق النيهوم في ذكراه العاشرة ... حمد المسماري



 عـودة إلـى سيـد الكلمــات

ليـس ثمـة خـلاف علـى الإثـارة الكامنـة فيمـا كتـب الصـادق النيهـوم طـوال مشـواره مـع الكلمـات ، وليـس ثمـة خـلاف علـى أن أفكـار هـذا الكاتـب المثيـر للجـدل حملـت رؤيـة مغـايرة ، وغيـر مألوفـة لقضـايا اعتٌبرت دومـاً مـن المسلمـات ، وقـد كـان هـذا الكاتـب الراحـل يفكـر ، ويكتـب بطريقـة احترمهـا الجميـع مهمـا كانـت درجـة الاختـلاف أو الإتفـاق حولهـا ، ومهمـا كانت قناعـة المـرء معـه أو ضـده فيمـا ذهـب إليـه ، وهـذا لا يحـدث سـوى مـع الكتـاب الحقيقييـن .. ولكـن يبقـى السـؤال قائمـاً دون إجابـة واضحـة حـول مـا أراد النيهـوم قولـه لنـا علـى وجـه الدقـة ، فيمـا يتعلـق بجـوهر العلاقـة بيـن الله والإنسـان ، مـن خـلال ما كتـب طـوال مسيـرته المضنيـة فـي الأدب والحيـاة علـى حـدٍ ســواء.

حيـث نجـد منتقـدوه يأخـذون عليـه جرأته غيـر المسبوقـة "عنـدنا فـي ليبيـا علـى الأقـل" بتناولـه النصـوص المقدسـة فـي القـرآن والسنـة ، ومحاولـة قراءتهـا مـن زاويـة اعتُبـرت محرمـة مـن وجهـة نظـر فقهيـة بحتـة فرضـت علينـا بشكـلٍ مـا ، وفـي زمـنٍ مـا ، لدرجـة أصبح معهـا مجـرد محاولـة فهـم الشريعـة التـي أعتبرهـا النيهـوم "شريعـة مـن ورق" كفـر مبيـن والعيـاذ بالله .. ومـن المحـزن أن يعتبـر دعـاة الفكـر الأصـولـي والسلفييـن هـذا المفكـر الـذي حـاول إخـراج الإسـلام مـن أسـر الخـرافات والأساطيـر ، ووصايـا الفقهـاء كاتـب مـارق ، وخـارج عـن الديـن وإجمـاع الأمـة "التـي ما اجتمعـت يـومـاً" وكالـوا لـه ما توفـر لهـم مـن قامـوس المفـردات الجاهـزة لهـذا الغـرض مـن أيـام الحـلاج وابـن عـربـي وغيرهـم ممـن ظهـروا فـي أزمنـة مختلفـة طـوال تاريخنـا الإسلامـي الغـارق فـي الخرافـة والحـزن والدمـاء.

الصـادق النيهـوم لا يكتـب كلماتـه عبثـاً ، فلقـد حـدد طـريقـه منـذ البدايـة عــام 1966م عنـدمـا قـال فـي مقالتـه الشهيـرة "هـذه تجـربتـي أنـا" التـي نشـرت بصحيفـة الحقيقـة:


(هـذه تجربتـي أنـا ولكـل منـا الحـق فـي أن يقـول تجربتــه علـى نحـوٍ مــا)


ونحـن نعـرف أن تجربـة هـذا الرجـل كانـت مرهقـة ومؤلمـة إلـى حـدٍ لا يطــاق ، عـاش حياتـه مسكـوناً بالقلـق والغربـة علـى الـدوام ، وكانـت أفكـاره مطـاردة دائمـاً ممـن نصبـوا أنفسهـم أوصيــاء علـى الديـن وسـددوا إليـه الطعنـات حيـاً وميتـاً.. كمـا نعـرف أيضـاً أن قـدر النيهـوم مـع قارئـه ، أن هـذا القـارئ لا يمكنـه مهمـا كانـت قناعتـه متفقـه مـع مـا ذهـب إليـه ، المجاهـرة بهـذه القناعـة .. ومجاهـرة النيهـوم برفـض الإسـلام المشـوه بالخرافـات والأساطيـر الـذي توارثنـاه منـذ أكثـر مـن أربعـة عشـر قرنـاً مـن عمـر الـزمـن واعتبـاره مصـاغ برؤيـة الفقهـاء لا الأنبيــاء شكـل عقبـة لـدى قرائـه ومعجبيـه المتشكلـة ثقافاتهـم بمفاهيـم محافظـة للـدفاع عنـه ومـا كتـب ضـد منتقديـه ، الذيـن ظهـروا فـي ليبيـا بعـد وفاتـه عـام 1994م ومنـذ كتابتـه لدراساتـه الأولـى "الرمـز فـي القـرآن - الحديـث عـن المـرأة والديانـات" وانتهـاءً بمـا تضمنتـه كتبـه الأخيـرة فـي ثمانينيـات وتسعينيـات القـرن الماضـي التـي أثـارت جـدلاً واسـعًا وصـل حـد مصـادرتهـا حتـى فـي عاصمـة الثقافـة العربيـة بيــروت ، نستنتـج أن رفـض الصـادق النيهـوم لإسـلام الخرافـة الـذي صاغـه الفقهـاء عبـر العصـور وفـق رؤيـة السياسييـن والإقطاعييـن ، لا يعتبـر رفضـاً للإسـلام الحقيقـي ورسالتـه الواضحـة التـي نصـر علـى قراءتهـا بالمقلـوب علـى طـول الخـط .. والنيهـوم لـم يرفـض الإسـلام الـذي أراد لنـا الله أن نفهمـه ونعتنقـه بـل رفـض إسـلاماً وصلنـا مشـوهـاً بدرجـة مفزعـة .. رفـض إسـلام صخـر العلاقـة المقدسـة بيـن الله والإنسـان تحـت سقـف الكـون ، واستثمرهـا فـي الضغـط علـى مواطنـه المسكيـن بمنطـق بعيـد عـن لغـة السمــاء ، منطـق اعتمـد ألاعيـب الحـواة والسحـرة عبـر العصـور وبنظـرة فاحصـة متأنيـة وغيـر منحـازة قـد يمكننـا أن نرصـد ببساطـة ووضـوح جملـة مـن الثـوابـت لـدى الصـادق النيهـوم طـوال رحلتـه فـي عـالـم الحـروف والكلمـات يمكـن إيجـازهـا فيمــا يلــي:


- أن الإسـلام الـذي يعتبـر المـرأة مجـرد متـاع وخـادمـة لسيدهـا الرجـل .. مرفــوض عنـد النيهــوم.
- الإسـلام الـذي تأسـس علـى قواعـد خمسـة لا تشمـل قاعـدة واحـدة منهـا علاقـة مباشـرة بمفهـوم العدالـة علـى الأرض لا فـي السمــاء .. مرفـوض عنـد النيهـوم.
- الإسـلام الـذي هدفـه تغييـب مواطنـه المسلـم عـن واقعـه المعــاش .. مرفـوض عنـد النيهـوم.
- الإسـلام الـذي يأمـر النـاس بالعـدل دون أن يأمـرهم بسلطـة الأغلبيـة .. مرفـوض عنـد النيهـوم.
- الإسـلام الـذي لا يحتـرم الاختـلاف .. مرفــوض عنــد النيهــوم.
- الإسـلام الـذي يطالـب الإنسـان أن يكـون مسـؤولاً عـمّـا كسبـت يـداه ، دون أن يـوفـر لـه الوسيلـة الشرعيـة لتحمـل هـذه المسـؤوليـة .. مرفـوض عنــد الصــادق النيهــوم.

* * * * *

ممـا سبـق الإشـارة إليـه ومحاولـة معرفـة الـدروب غيـر المألوفـة التـي صـار هـذا المفكـر غيـر التقليـدي ، والأسلـوب والطريقـة المثيـرة التـي صـاغ بهـا أفكـاره ، نعتقـد أن الأمانـة الأدبيـة تحتـم علينـا اعتبـاره "مجتهـداً" مهمـا اختلـف هـذا القـول مـع رؤيـة الكثير مـن منتقديـه ، ومـع مـا حُـدد مـن مفاهيـم جامـدة للاجتهـاد مـن قبـل الفقهــاء عبــر كـل العصــور .. إن هـدف الصـادق النيهـوم مـن رفـض ماضـي متخلـف هـو تحريـر للإنسـان مـن عبوديـة التاريـخ والفلسفـة ، والقيـود غيـر المقبـولة فـي العلاقـة التـي لـم تعـد مباشـرة بيـن الله والإنسـان تحـت سقـف العالـم كمـا أرادهـا لنـا الله نفسـه عبـر كـل الديانـات.

والخلاصـة التـي قـد نصـل إليهـا هـي أن عالمـاً يعتمـد الغيبيـات حصـونا دفاعيـة ، ويصـوغ بالإرهاب الفكـري وغيـر الفكـري مشاريعـه ، مكرسـاً ديانـة عظيمـة مثـل الإسـلام لخدمـة السياسـة والإقطـاع ، مغيبـاً النـاس عـن واقعهـم فـي زمـن تغيـر المفاهيـم والمعتقـدات .. عالمـاً يتبنـى هـذه النظـرة المتخلفـة للأمـور هـو الـذي خـاض الصـادق النيهـوم معركتـه ضـده علـى جميـع الجبهـات ، وكـم كانـت معركتـه قاسيـة وغيـر متكافئة وهـو يخـوضهـا بنبــل الفرســان ضــد فرســان بـلا معــارك .



والغريـب فـي هـذه التجـربـة النيهـوميـة ، أنهـا لا تـزن أمــورهـا بمفهـوم الـربـح والخســارة ، أو الانتصار والهزيمــة ، ولا يستقيـم لنـا تحليلهـا علـى هـذا النحـو ، وقـد تمــر سنــوات طويلـة جــداً قبـل أن يتمكـن أحـد مـا مـن تقييــم تجـربـة النيهــوم الإبداعيــة ووضعهــا فـي مكانهـا الصحيـح الـذي يليـق بعمقهـا ورزانتهـا فـي مسيــرة الفكـر التنـويري العـربـي والإسلامــي ، فالصـادق النيهـوم مـن أولئــك الكتــاب الـذيـن قـال عنهــم الفيلسـوف والروائــي "البيـر كامــو" :


(هنـاك شمــس لا تغيــب فــي قلــب مـا يكتــب)


وكــم كـان الكاتــب التونســي "الصــافــي سعيــد" مصيبـاً عنــدمـا قـال عـن النيهــوم:


(يمثل الحياة بصلتهـا العميقـة بالموت ، وكأنه نذر نفسه لإنقاذ حضارة بكاملها)

* * * * *

رحــم الله الصــادق النيهــوم فــي ذكـراه العاشـرة .. رحـــم الله سيــد الكلمـات الـذي عشقنـا أحـرفـه في زمن إشـراقهـا .. وسـامـح أنـاس هـاجمـوه ولـم يفهموه.


سبق النشر بموقع : أفق : السبت 20 نوفمبر 2004

مساميــر: معلمتـي تبكــي *...بقلم: حمد المسماري

  سنوات طويلة جداً من عمر الزمن نذرت فيها المعلمة "....." نفسها وأيام حياتها لرسالة التدريس.. سنوات طويلة تخرج فيها من فصولها العشرات والمئات من أبنائنا وربما منهم من يتقلد أعلى المناصب والمسـؤوليات في أجهزة ومؤسسات الدولة من أطباء ومهندسين... إلخ.. سنوات طويلة وهي تقف أمام السبورات السوداء محتملة امتلاء رئتيها بمسحوق الطبشور وشقاوة الأطفال وعبثهم ومشاكساتهم.. سنوات طويلة وطويلة جداً آمنت فيها معلمتنا أن التعليم رسالة، مصدقة لقول أحمد شوقي "كاد المعلم أن يكون رسولا" فنسيت حالها وأيام شبابها وعاشت فقط لأداء هذه الرسالة المقدسة.. سنوات طويلة وهي تدفع بانتظام رسوم اشتراك نقابتها ويخصم منها كل عام في عيد المعلم عشرون دينار، وعندما كرموها في سنة عملها العشرون أهدوها رداء سي الخامة والصنع لا يتجاوز ثمنه العشرين ديناراً.. سنوات طويلة مترعة بالفرح والحب والحزن والألم والدموع عاشتها معلمتنا وبدأت ذؤابة شمعتها يخفت نورها شيئاً فشيئاً إلى أن أطلت عليها الأشهر الأخيرة من سنوات عمرها الوظيفي، وعطاؤها وصلاتها في محراب التعليم، وأحيلت إلى التقاعد. فماذا حدث ؟ توقعـت أن يقولوا لها كلمة طيبة، ويمنحوها شهادة شكر وتقدير على عطائها وسنوات عمرها المهدورة في الفصول الرطبة، وأفنية المدارس لعقود من الزمن، توقعت أن يدعوها مسؤول ما في أمانة التعليم ببنغازي، ويقول لها كلمة طيبة ومشجعة لما بقي من سنوات العمر، توقعت أن يبذل جهدا لتسوية راتبها التضامني إكراما للمعلم ورسالته.
لكنها صدمت من هذه الأمانة التي صرفتها بلا ذوق برسالة إنهاء خدمة وكأنهم يقولون لها، ومعذرة يا معلمتي لقسوة العبارة "أفتكينا من وجهك"، فرسائل الإحالة إلى التقاعد تحمل عبارات خالية من أي ذوق أو مراعاة للمشاعر، مثل "انتهت مدة خدمتك بتاريخ..."، "سلمي ما بعهدتك" إلخ من عبارات جوفاء يبدو أن من أنشأها وحررها لم يدرس علم اسمه الإدارة، ولم يعايش مشاعر إنسانية في حياته قط.
فمعذرة يا معلمتنا أن لم يحفظ لك مسؤولو تعليم بنغازي الجميل والعرفان، فكل طفل علمته حرفاً يحمل لك في قلبه حباً وعرفانا لصنيعك، وأنت أكبر من أي كلمات مواساة مزيفة لا تحمل معنى إنسانيا.. وثقي أن الحفلة البسيطة التي أقامتها لك زميلاتك بجنيهات قليلة من قوت يومهن وصغارهن أعمق مغـزى من أكاذيب الحفلات الباردة المشاعر لأمانة التعليم.  
حمد المسماري  
* سبق نشر المقال بصحيفة "قورينا" بتاريخ 26 نوفمبر 2008