‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 23 مايو 2018

الطريق إلى كابل. الطريق إلى المجهول ... حمد المسماري



فـي زمـن انعـدام النظـر إلـى الحقـائق الساطعـة كمـا الشمـس بوعـي، ونضـج واتـزان.. فـي زمـن تغتــال فيـه الأحـلام البريئـة الطيبــة، وتمــوت فيـه الأمنيــات فـي قـاع القلـب قبـل أن تولــد.. فـي زمـن تستبـاح فيـه ساحاتنـا مـن جميـع الـدروب والطرقـات، وتتحجـر فيـه الدمـوع فـي المآقـي مـن الأسـى وهـول المأسـاة وعمـق المعانـات الماثلـة أمامنـا فـي فلسطيـن والعـراق والسـودان، وبقيـة أقطـار وطننـا الـذي كـان كبيـراً، وصـار اليـوم فـي ظـل دكتاتـوريات مقيتـة مقنعـة بشعـارات سـاذجـة قـزمـاً يـرثـى لحـالـه وسـط ضجيـج التغيـرات الصاخبـة بإيقـاع مجنــون فـي ظـل العـولمـة، ومشـاريـع دوليـة مثـل النظـام العالمـي الجـديـد، والشـرق الأوسـط الكبيـر، مشـاريـع صـرنا نقـف فـي حضـرتهـا مثـل البلهــاء رغـم كوننـا محـورهـا ومحـركهـا المفتـرض، فـي زمـن تحـول فيـه الإعـلام لدينــا منـذ وقـت طويـل إلـى مجـرد بـوق للسلطـة مرددا للحـاكـم علـى لسـان الرعيـة والعبــاد “أن كــل شــيء علـى مـا يـرام” فـي واقـع سئمتـه الفقـر والجهــل والتخلــف فـي زمـن كهــذا كـان لابــد لشـاشـات الفضـائيـات العـربيـة، التـي أملنـا فيهـا كــوة للتنفـس أن تـوقــف عــرض المسلسـل التلفزيـوني “الطــريـق إلـى كـابــول” كنــا فـي أمـس الحـاجـة إليـه فـي هــذه الأيــام الرديئـة..

ثمـان حلقـات فقــط كـانـت كافيــة لتثيــر قيـامـة الجماعـات الإسـلاميـة ودعـاة الأصـوليـة المعـروفيـن والمستتـريـن أيضــاً.. ثمـان حلقـات أوضحـت حجــم الكارثـة والمـأسـاة التـي نعيـش، واستحـالـة عـرض وجهـات النظــر المختلفـة فـي قضـايانا الحقيقيــة الملحــة دون حسـاسيـات مـن أي نــوع.. كنـا فـي حـاجـة إلـى مسلسـل واقعــي يستنـد إلـى تـاريــخ قـريــب.. مسلسـل يقــدم شخصيـاتـه بمنظـور إنســانـي بشفـافيـة وصــدق.. مسلســل يكســر حـاجـز محـاذيـر الفقهــاء وأحبـاب اللـه الـذيـن أبعــدوه عنــا بفتــاواهــم الغريبــة عبــر العصــور.. بحـاجـة لعمــل درامــي، يرحمنــا مـن تفـاهـات “نجــوم المحروســة” المتخميـن بالألقاب الفـارغـة المحتـوى وعبـاسهـم الأبيـض وأيـامــه الســوداء، وبقيــة قائمـة مسلسلاتهـم السـاذجـة.. وعنــدمـا جـاء هــذا المسلســل وسمــر النـاس أمـام شـاشـات التلفزيـون، أوقــف عنــد محطتـه الثـامنـة.. تلفزيــون قطــر منتــج المسلسـل الرافـع لشعـار حـريـة الـرأي عبــر قنـاتـه الجــزيـرة، لــم يستطيــع الاستمــرار إلـى أخــر الشــوط، ورضــخ لتهــديـدات قطعــة الرؤوس عبــر الإنترنت الذيــن لـم يصــدقـوا أن تعــرى حقائـق مـا حـدث لأبنـانا نحــن العــرب فــوق تــراب أرض ملعــونــة أسمهــا أفغـانستــان، ومـا فعلـه بهــم الســادة “بــن لادن والضواهـري وعــزام والمـلاء عمــر” ومــدافع آيــات اللــه فــي طـالبــان.. لــم يحتمــل هؤلاء القتلــة فضــح فصــول الجريمــة والمأسـاة التــي بـدأت فــي عقــد الثمانينــات بمبـاركـة حكامنــا الأبدييـن، حيــن غــرر بشبــاب فــي عمــر الـزهــور بدعــوى الجهــاد ضــد أحفــاد ستـاليـن الـذيـن عـاثــوا فســاداً فـي أرض الإسلام المباركــة حينهــا أفغانستان كمــا أخبـرونـا.. كنــا نرســل أولادنـا إلـى تلـك البلاد الملعـونـة بمبـاركـة الـ”C. I. A” دون أن نتـذكـر أن بيــت المقـدس والجـولان وغــزة وجنـوب لبنــان علـى بعـد مـرمـى حجـــر منــا وذهبنــا إلـى أخــر الدنيــا مجـاهـدين نبغــي الشهــادة، كانـت المؤامـرة واضحــة كمـا الشمــس لكـن أعيننـــا غيـر مدربـة علـى رؤيـة الحقـائـق السـاطعــة فـي وضــح النهــار، وكـان مـا كـان وخــرج السوفيــت مـن الأرض الخـراب وظـل أبنـاؤنـا هنــاك، انقطعـت بهـم السبــل ، وأصبحــوا محتـرفـو قتـل وزارعــي أفيــون، تركتهـم أمريكـا ورجـال استخبـاراتهـا، وإن عـادوا لأوطـانهــم كـان مصيــرهــم السجــون والمعتقلات، محنتهـم كانـت حقيقيـة ومرعبـة إلـى أبعــد حــد بعــد أن نسينـاهـم هنــاك بيـن أيـدي زعمــاء الإرهاب العـالمــي.. الإســلام والجهـاد ودولـة الإسـلام كـانت شعـاراتهـم وكـانـت مقبرتهــم أيضـاً.. وانتظـرنا تجسيـد كـل هــذا دراميـاً ، وتصـدى لذلـك تلفـزيـون قطـر ونجـوم التمثيـل فـي الأردن وســوريـا، كانـوا يرغبـون تقـديـم الـواقـع بعيـداً عـن أي إسقـاطات تاريخيـة كمـا اعتـدنا دائمــا فـي طــرح قضـايانـا الملحــة، مـن خـلال الدراما العربيــة وأتضـح أن ذلـك حلــم يستحيــل تحقيقــه .

مسلسـل (الطريـق إلـى كابـل) عمـل أملنـا مـن خـلالـه دراميــاً، معـرفـة قضيـة أفغانستان وأبنـاؤنـا المشـرديـن فـي شعـاب جبـالهـا بعيــداً عـن أكاذيـب نشـرات الأخبــار، والتسريحـات الرسميــة لحكومـات ميتــة منــذ أمدٍ بعيــد، كنـا نرغــب تلمــس الطـريـق إلـى حقيقــة ضـائعــة فــي خضــم أكاذيبنــا التـي لا تنتهــي، ولكـــن تلفزيــون قطــــر رضــخ لقطعــة الــرؤوس، وحــرمنـــا مـن ذلـك مواصـلاً تغييــب الحقائــق الســاطعــــة.. لقــد توقعنــا أن يـأتـي التهــديـد، ويحتــج الغــرب علـى المسلســل كمــا حــدث مـن قبـل مــع مسلسـلـي الشتـات، وفـارس بلا جــواد وحــدث العكــس نحــن مـن أرتعــب مــن حقيقــة مـا حــدث فــي تلـك البلاد التــي مـا كنـا نعــرف عنهــا شيئــاً إلــى وقــت قــريــب، وأصبحنــا نحفــظ جغرافيــة جبـالهـا الصخريـة عـن ظهــر قلــب.. فكــرة العمــل مرعبــة بالنسبــة للغـرب لأنهــا تجمــع شخصيـات عربيـة و إسلاميـة علـى فكــرة واحـدة، وإلصــاق الموضــوع بالطـالبــان تأكيــد إدانــة جـديـد لهــا.

يـا ملـك الثــوار أنـا أبكــي
لأن الثــورة يزنـى فيهـــــــا
والقلــب تمــــوت أمانيــــــــه

صرخـت أطلقهــا شـاعـر منكسـر الفـؤاد، أسمــه “مظفــر النــواب” ذات يــوم فـي وجـه طاغيـة لا يـوصـف بطشـه عانـى مـن ويلاتـه الكثيــر شـاعـر وشعــب وأمــة ، نتذكـرهـا اليــوم لنطلقهـا نحـن بدورنـا فـي وجــوه ملــوك الحقــد المقــدس علـى كـل مـا هــو حضــاري ، أولئــك القابعيــن كجـرذان مذعــورة هنــاك فــي جبــال تــورا بــورا .. نتذكرهــا نحــن أبنــاء الشعــوب المقهــورة التـي كفــرت بكلمــة مـن أحــرف أربــع هــي “ثــورة” كلمــة حولهــا الزعمــاء كـل علـى طريقتـه لسيــف مسلـط علـى رؤوس العبــاد والرعيــة، وجعلـونـا نتمنــى أن نعيـش مرحلـة استعمار جديــدة بعــد أن اكتشفنــا الفـرق بيـن عـدالـة الثـائـر والمستعمــر، بيـن الــذي يعـدمـك رميـاً بالرصــاص ولـو بمحاكمــة صوريـة، وبيـن مـن يقطـع رأسـك دون أن تتفـوه بكلمــة واحــدة وأنـت تبكــي مـن هــول الرعــب لا فرحــة الشهــادة.

وعـودة إلـى المسلسـل الـذي لـم تكتمــل حلقاتـه، لنرفــع القبعــات تحيــة لنجــوم الدرامـا العربيــة رغــم أنـف “مـاسبيــرو” ونجــوم المحروســة أصحـاب فضـائح مـا يسمــى بمسلسلات رمضــان المضحكـة والمتواضعـة المستـوى، لنحـيـي: عــابـد فهــد وعــارف الطـويـل، وفــرح بسيســو ومنــى واصــف ونبيـل المشينــي.. والكاتــب المتميــز جمــال أبـو حمــدان ، والمخـرج محمــد عـزيزيـة.. ونتمنــى أن تكتمــل حلقــات (الطريـق إلـى كـابـل) ذات يــوم فـإيقــاف عمـــل بهــذا الحجــم هــو جريمــة بكــل المقـاييــس وتجنـي علـى العقـل العربــي القــادر علـى فهــم أبعــاد اللعبــة القـذرة لحــرب أكثــر قـذارة تـدور رحـاهـا فـي بـلاد ملعـونـة وأرض خــراب تدعــى أفغـانستـان، حــرب يقــودهـا زعمــاء جهلــة وقــودهـا زهــرة شبـابنــا المغـرر بهــم.. وذات يــوم قـال أحــدهــم “أن الإنســان الجــاهــل وحــده لا يــدرك هــذه الحقيقـــة التــي تخصــه”.


نقلا عن مجلة أفق الثقافية ، 9 ديسمبر 2004

الجمعة، 11 مايو 2018

العهـر الثـقافي * ....حمد المسماري

اللوحة للفنان الليبي مرعي التليسي 

الطرفـة الشائعـة بين أوساط المثقفين في مدينة بنغازي هذه الأيام تقول ..

إذا كنت تعاني من مشاكل مالية ، أو عقد نقص من أي نوع في المكانة والهيبة داخل الوسط الثقافي ، فالحل بسيط جداً .. ولن يكلفك سوى سهر ليلة واحدة ، تعد فيها مقترح كيف ما كان وأتفق لمشروع ثقافي، ينتشل بفضلك بعون الله الثقافة الليبية من مهاوي الانحدار والتردي ، وكم المهازل التي لا تحصى أو تعد .. ثم تتوكل على الله وتشد الرحال إلى فندق الواحات في طرابلس ، وتتدبر أمرك في الإقامة ، وتريق ماء وجهك وأنت تتردد على مكاتب أمانة الثقافة حتى يبتسم لك الحظ ، وتتمكن من مقابلة السيد الأمين .. حينها ستفتح لك مغارة علاء الدين ، وحتماً ستحل بعدها كل مشاكلك ، وتنسى أصلاً أنك دخلت على سيادته بمشروع ثقافي ما ، فالرجل كما يقال ونسمع كريماً وطيباً جداً ولا يرد أحد قصد باب مكتبه ، وهذا ما يفسر قوافل الأرتزاقيين بأسم الثقافة المرابطين بفندق الواحات ، وعلى أبواب الأمانة المصونة .. ويفسر كم السفريات الثقافية الخارجية التي تمثلنا لأسماء حرام أن تكتب حتى بصحيفة حائطية في مدارسنا الابتدائية ، وستكون الوصفة أكثر ضماناً إذا ما كانت بصحبتك حسناء بنغازية رائعة الجمال وأنت تتجول في مكاتب الأمانة. 

صحيح أن كل شيء مخجل ومتدني بشكل عام ، والفساد قد طال جميع الأمور المتعلقة بحياتنا ، وربما يقول لي أحدهم بلهجتنا الدارجة " هي جت ع الثقافة يعني " فأقول نعم يا أخي " جت ع الثقافة " فتدمير كل ما عداها أمر قد يكون من السهل إصلاحه ، أما أن تدمر ثقافة وطن على هذا النحو الذي نراه هذه الأيام فالموضوع حينها يتحول إلى كارثة حقيقية ومفزعة .. كارثة تصمنا بالجهل والتخلف لأجيال وأجيال عديدة قادمة ، وتطمس في حياتنا كل تاريخ ثقافي مشرف كان لنا ذات زمن.

والمرء لا يرغب في الانحياز للرأي القائل أن ليبيا بلاد ليس لها ثمة علاقة بالفكر والأدب ، مستدلاً بأن كل الأسماء العظيمة التي تركت بصمة في سفر ثقافتنا أبدعت حينما هجرتنا إلى غير رجعة أمثال النيهوم والكوني والأخير والعهدة على أحد معارفه صرح ذات مرة أنه قضى خمسة عشر عاما عبثاً يكتب في ليبيا.

وعلينا أن نعترف أن المبدعين الحقيقيين عندنا ، لا يمكنهم التنفس سوى في بلاد الله الواسعة بعيداً عنا ، حيث يجدون هناك كل التقدير والترحاب .. أما مسؤولي الثقافة لدينا فلا يعنيهم من أمر مبدعينا المميزين شيئاً على الإطلاق لسبب واحد أن هولاء المبدعين يحترمون أنفسهم ولا يقبلوا إراقة ماء وجوههم بممررات ومكاتب الأمانة المصونة والتزلف لموظفيها ... فلا غرابة إذن أن نرى : 

  • روائي بحجم محمد الأصفر يعجز عن توفير ثمن علبة حليب لأبنته.
  • أو باحث متمكن مثل عز الدين اللواج تنشر كتاباته في أرقى المطبوعات العربية والدولية ، ولا يجد مساحة صغيرة لنشر حرف بصحافتنا المحلية ، ويمنعه العوز وضيق الحال وقلة الواسطة من إكمال دراسته للحصول على الماجستير والدكتوراه رغم تفوقه وتخرجه من الأوائل على دفعته .
  • أو شعراء مثل صلاح الدين الغزال وخالد درويش، الأول حاملاً لملف باحثاً عن وظيفة منذ ربع قرن والثاني لا يملك داراً خاصة للسكن مع أن دواوين الاثنان فازا بأحدث استفتاء من قبل الجمهور، في رمضان الماضي.
  • أو ناقد شاب مثل صلاح عجينة لا يملك كفاف يومه ، يتسكع في شوارع طرابلس ويتربص به الحاقدون من كل الجهات.
  • ولسخرية القدر ربما يلمح المرء شاعر ليبيا العظيم محمد الشلطامي بسيارته المهترية في أحد المفارق ، متعطلة به وسط لعنات أصحاب السيارات الفارهة.
  • ذات يوم كنت على موعد في وسط المدينة مع الصديق المخرج المسرحي داوود الحوتي .. لم أكن أملك في جيبي سوى خمسون قرشاً تكفيني ذهاباً وعودة ، استقليت حافلة حي الفاتح عبر شارع عشرين ، فتوقفت الحافلة لتقل أحد الشيوخ الطاعنين في السن ، وعندما صعد عرفته على الفور كان شاعرنا حسن السوسي في طريقه إلى دار الكتب الوطنية .. شعرت حينها بالقهر والمرارة ليس على الربع جنيه الذي دفعته احتراماً لشيخنا مما يجعلني أعود لبيتي في الماجوري راجلاً ، بل لجحود هذا البلد لمبدعيه على هذا النحو المخجل.
كل هذا يحدث ، ويتعاقدون مع تشاركية البينة بمبلغ يتجاوز المليون على لافتات تكلفة الواحدة تفوق 6000 دينار .. كل هذا يحدث وفرع إذاعة الجماهيرية في بنغازي لا يملك استوديوهات ولا ألآت ولا هم يحزنون .. كل هذا يحدث وأمانة الثقافة في بنغازي يديرها مسؤولون لا يصلحون لشيء سوى البزنس في أسواق السيارات والخرفان .. يصرفون ميزانيتها بعيداً عن المثقفين ، ويعينون أبناء العمومة الذين صعدوهم ولا علاقة للجميع من بعيد أو قريب بكلمة ثقافة .

كل هذا يحدث وروابط الأدباء ، والصحافيين ، والفنانين مهمشة كلياً ، وليس لها ثمة دور يذكر في حياة منتسبيها .. كل هذا يحدث وإذاعة بنغازي المحلية تسرق حقوق الكتاب البسطاء في وضح النهار ، وتصرفها على المحاسيب وأبنا العمومة.

كل هذا يحدث ، وتتجمع نفس الأسماء كما الذباب على قطعة حلوى مجدداً في الأيام الماضية ليقرروا لنا خطط ثقافتنا المستقبلية ، بمجرد سماعهم رصد الملايين لتظاهرة طرابلس عاصمة للثقافة الإسلامية .. فلمؤسساتنا مسؤولون تاريخيون لا يبلون مع الزمن ... مع أن كل تاريخ طرابلس الإسلامي يتجسد في تاريخ قراصنة القرمانليين الدموي في البحر المتوسط.

أن ما يحدث في شارع الثقافة الليبي أصبح أمر يصيب المرء بالحزن والحسرة لدرجة الغثيان على أيام كان الليبيون فيها يقراءون جرائدهم اليومية التي لا تمارس عليهم لعبة الأكاذيب ، ويستمعون لإذاعتهم التي أصبحت اليوم مرتع للمهرجين ومرددي الشعارات الغبية.

فيا بلاداً تشقينا منذ ولدنا
نحبك
برغم الجنون نحبك
برغم الشقاء نحبك
برغم الخوف نحبك
برغم الحزن
نحفرك في أعماق كلماتنا

ويا مسؤولينا الأفاضل :

خذوا كل شيء تريدونه من هذا الوطن ، النفط ، الأرض ، المزارع ، الدارات الأنيقة الفخمة .. كدسوا ثرواته كما شئتم في البنوك السويسرية والتونسية .. أعبثوا بصحة أطفاله وأجسادنا كما شئتم في مصحاتنا المدمرة .. سمموا خضرواتنا وطعامنا في مزارعكم وصوباتكم الزجاجية بالمبيدات .. وزعوا أموالنا على كل من هب ودب في هذا العالم عدانا نحن .. خذوا سلامنا .. خذوا طمأنينتنا .. خذوا ربيع أيامنا أن كان لها ثمة ربيع.

فقط أتركوا لنا شيئاً واحداً ، وصدقوني قد لا يعنيكم كثيراً ...

أتركوا لنا فقط ثقافتنا. 

منشور بموقع جليانه بتاريخ 24 نوفمبر 2006

الخميس، 10 مايو 2018

مساميــــــر*.....حمد المسماري


 


( 1 )
 لا أعـرف إلـى متــى سنظـل ننتظـر خـروج ذلـك المسـؤول عـن التخطيـط والبنيـة التحتيـة فـي بنغـازي، صائحـاً فينـا أخيـراً ومـردداً علـى طريقـة ذلـك العالـم الـذي يدعـى أرشميـدس: "وجــدتهـا وجــدتهـا"، وبطبيعـة الحـال نحـن لا نطلـب مـن مسـؤولنـا الكريـم المصعـد شعبيـاً أن يكتشـف لنـا نظـريـة فـي علـم الفيـزياء والجاذبيـة وقـوانين الطفـو فقـد طفونـا منـذ زمـن بعيـد، بـل ليفسـر لنـا ويحـل أحجيـة مـا تبحـث عنـه ديناصوراتـه الحديديـة فـي شوارعنـا المتهالكـة المرهقـة أصــلاً مـن قســوة الزمـن والبشــر .. وإلـى أن يأتـي ذلـك الصبـاح المبـارك نهـدي مـن خـلال برنامـج "مـا يطلبـه المستمعـون" بإذاعـة بنغـازي المحليـة محييـن عامليها الشبـاب الذيـن غيـروا واقـع فسـاد إدارتهـا ، نهـدي لمسـؤولنـا العـزيـز أغنيـة تذاع لأول مـرة تقـول كلماتهـا "يـا مجـاري فـي الدنيـا يـا مـا جـاري".

 ( 2 )
 الحـديـث عـن حفـر بنغـازي الـتي تؤهـل مدينتنـا التـي كانـت جميلـة لدخـول موسوعـة جينـز مـن حيـث كـم الحفـر فـي مدينـة واحـدة ، يبـدو أنـه أكتسـب أبعـاداً نفسيـة، وسلوكيـة تستلـزم دراسـة تأثيـر حفـر المجـاري فـي شخصيـة مواطننـا الكريـم، فالكـل يحفـر بدأب وهمـة ونشـاط .. الأخ يحفـر لأخيه والصـديـق يحفـر لصديقـه، وتلـك لصديقتهـا من أجـل خطـف خطيبهـا، وهـذا لـمديره فـي المصلحـة، وذاك وهـو الأصــدق فينـا جميعـاً يحفـر قبـورنـا فـي مقبـرة الهـواري.

 ( 3 )
 المقـال الرائـع المثيـر للجـدل عـن جهـاديي درنـة بقلـم الأمريكي كيفن بيراينو ـ نيوزويك العربية كانـت التعليقــات حـولـه بموقـع جيـل تبعـث علـى الحـزن والرثــاء، وتعبـر عـن واقـع حالنـا الميؤوس منـه فـي فهـم طبيعـة الأشيـاء علـى حقيقتهـا، حيـث تـرك السـادة المعلقـون كــل مـا ورد فـي المقـال مـن حقائـق مثيـرة عـن بـؤس حيـاتنـا ورقـادت ريحنـا، وركـزوا علـى جملـة عارضـة فـي المقـال الطويـل جـداً تتحـدث عـن المومسـات القادمـات لطرابلـس مـن الشـرق، وفجـروا نقـاشاً وصـراعاً جهـوياً مقيـتاً وكأنمـا بقيـة المقـال المدهـش لـم يقـرأ مـن قبـل السـادة المعلقين علـى الإطـلاق.

 ( 4 )
 مسـؤول مخطــط أنيـق جـداً ومثقـل بالشهـادات، لـم يكـن رده مـن خـلال صفحـات ليبيـا اليـوم علـى زميـل لـه لا يقـل عنـه شهـادات أو أناقـة فـي مستـوى سمعتـه ومكانتـه العلميـة المرموقـة، كمـا لـم يكـن تعقيـب زميلـه وخصمـه علـى الموضـوع يليــق أيضـاً بهيبتــه واحتـرامنـا لـه .. بعـض الخبثـاء كانـت تعليقاتهـم فـي الصميـم ووصلـوا إلـى لـب المشكلـة والصـراع حولهـا دون زيـف أو طـلاء للكلمـات وهـي كعكـة ذلـك المـركـز ذي الخمـس نجـوم 

 ( 5 )
 لتنـــال بعـض الأجـوبـة الجيــدة عليـك أن تســأل الأسئلــة الصحيحــة .. أحــد الأكاديمييـن مـن ذوي الحضــور المركـز بكتاباتـه فـي صحفنـا وإصداراتنا فـي الفتـرة الأخيـرة عنـون مقالـة لـه بعنــوان جـذاب ومثيـر طارحـاً سـؤالـه مـن خـلال العنـوان: "ليبيــا لمــن ؟"، وبطبيعــة الحـال توقعنـا مـن خـلال مـا كتـب هـذا البـاحـث السياسـي المتخصـص أن نثـري معـارفنـا بتحليلاتـه سيمـا أن الإجابـة معروفـة سلفـاً ، ويمكـن لأي مواطـن أمـي أو طفـل أن يمـدك بهـا ، لكـن المفاجأة أن دكتــورنـا الفاضـل بعلمـه وخبـرتـه عجــز عـن أن يقـدم لنـا الإجابـة الصحيحـة، رغـم وضوحهـا كمـا الشمـس فـي قلـب السمـاء.

 ( 6 )
 الكاتـب المميـز ذو القلـم غيـر الملـوث (محمـد سحيـم)، وضـع بمقالتـه الأخيـرة "لمـن تكلنـا ؟" بعـض الصـور التـي أخبـرت بالكثيــر رغـم إخفائهـا بعلامـات استفهام كبيـرة، لكـن أجمـل تعليقـات (سحيـم) بمقالـه كـان مـا كتبـه مـن تعليـق تحـت صــورة أحـد دكاترتنـا المنظرين "هـذا الدقيـق جـدا قـال: يجـب علـى ليبيـا أن تنضـم إلـى مصـر أو تونـس" لا عليـك يـا عـزيـزي سحيـم !! فيبــدو أن وطننـا قـد هـان علـى بعـض نخبويينـا إلـى هـذه الدرجـة المضحكـة المبكيــة !!

   ( 7 )
 حيـن قــرأت سلسلـة المقالات المميـزة "مصراتـه.. يـا سـرة الـوطـن"، واطلعـت علـى مـا جـاء فيهـا مـن كـم النـزاعـات القبليـة الجهويـة، والصراعـات الدمويـة المخجلـة لبعـض قـادة حـركـة الجهـاد ضـد الغـزو الإيطالـي، اقـتـرحت علـى كاتبهـا المؤرخ الصـديق الدكتـور فـرج نجـم أن يسمـي سلسلـة مقالاتـه "المجاهـدون الأشـرار أو العسكـر سوسـة !!" فمـا فعلـوه ببعضهـم وناسهـم ووطنهـم لا يستوعبـه عقـل ولا منطـق.

 ( 8 )
 مثــل راقصــي المولـويـة
قضينــا العمــر نـدور
فــي حلقـة ذكــر صوفيــة




* نشـر بالعـدد 179 بصحيفة قورينا بتاريخ 6 / 5 / 2008 . م