‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعة كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعة كتاب. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 10 مايو 2018

قراءات .. كراكوز العمامي وسلاطين بني عثمان


من طلبه فنجان قهوة تركية في أحد مقاهي ميدان (سيدغما) بأثينا، خاض القاص محمد عقيلة العمامي (عاشق البحر) تجربته في الكتابة التاريخية لينطلق في كتابه (الكراكوز) مبحراً في فضاءات كتب التاريخ باحثاً في سيرة سلاطين بني عثمان السيئة السمعة، وبشاعة ما قاموا به في حق الإسلام والعرب طوال تاريخ امتد حوالي خمسمائة عام، مركزاً على السلبيات التي رافقت مسيرة دولتهم المهيبة الجانب ومتجاهلاً في الوقت نفسه، وبإصرار غريب، ما يمكن اعتباره إيجابي في سوات حكمهم الطويلة، وإن كان الناس في بنغازي القديمة، قد تعرفوا على كراكوز بازامة، وضحكوا كثيرا مع (الحازي وازي) وغيره من الشخصيات الساخرة، فإن كراكوز العمامي لا يحرك شخصياته عبر الضلال لإضحاك الآخرين، بل يستحضر من خلالها السلاطين والأمراء وجواري القصور في اسطنبول والغلمان والخصيان، وشيوخ الإسلام الجاهزين بالفتاوى لكل سلطان جديد، وإن كان الأستاذ عبد الكريم الدناع اعتبر في مقدمة الكتاب أن العمامي: "يقدم للمكتبة العربية رواية هي مزيج من حقائق التاريخ والخيال" .. فالواقع يقول أن كراكوز العمامي لا يعتبر رواية حسب المعنى المفهوم لتقنيات كتابة الرواية، ولا نعرف كيف ذهب الأستاذ الدناع في اعتباره كذلك.

فأسلوب الكتابة التاريخية بطابع المعاصرة الذي انتهجه العمامي، وغاص من خلاله في أعماق كتب السلف الصالح والغير صالح ليحدثا عن سيرة العثمانيين بتحامل واضح وأفكار عدائية مسبقة بدأ لدينا أنه يفعل ذلك لمتعة أكبر من رشف فنجان قهوة تركية في مقاهي ميدان (سيدغما) كما يبدو ذلك من كثرة المصادر والمراجع التي لا تخلو من الإشارة إليها صفحة واحدة من الكتاب. ورغم أني لست من المغرمين بالبحث في أسباب الكتابة، إلا أن السؤال الملح الذي لا تبدو إجابته واضحة بالقدر الكافي: ما الذي دفع العمامي صاحب ( قلوب الإخطبوط)، (الحوات والقبلي)، (الديوك)، وغيرها من القصص الجميلة التي قدمته لا كقاص متميز يجيد اقتناص شخصياته من أجواء البحر ونسمات الشواطيء، فما الذي دفعه لمغامرة الكتابة التاريخية بصورة أراها غير محسوبة جيداً، أو مبررة بالشكل المقنع للهدف من تناولها أصلاً. لقد ارتكب العمامي خطأ فادحاً عندما حاول تعليق كل شيء رديء في حياتنا على مشجب الأتراك وحدهم، كعادتا دائما في تحميل أخطانا للآخرين، ولست هنا بصدد الدفاع عن تلك الإمبراطورية الرهيبة التي قامت ذات زمن، على ضفاف البسفور وملكت نصف الدنيا، لكني أود الإشارة إلى أن كاتبنا كان من الأجدى له البحث عن جذور تخلفنا كعرب ومسلمين في أزمة أبعد من ذلك. أعني منذ (مؤامرة السقيفة) والخلفاء الراشدين، وما تلاها في زمن معاوية، ومقاتل الطالبيين، فلقد بدأت مأساة تخلفنا الفكري والحضاري منذ ألف وأربعمائة عام، منذ اللحظة التي لقى فيها رسولنا الكريم عليه السلام وجه ربه، وعلينا أن نعترف بشجاعة وتجرد من المكابرة الزائفة أن تاريخنا العربي والإسلامي ما قبل العثمانيين لم يكن ناصعاً كما تقدمه لنا كتب سلفنا الصالح والغير صالح عبر العصور، وأن حضارتنا الإسلامية التي ما زال نتغنى بفضلها على العالم، ووصلت في وقت ما إلى الصين وإسبانيا وحدود فرنسا كات تحمل جذور نهايتها الدرامية المفزعة منذ البدء. وأن رسالة الإسلام العظيمة قد شوهت بصورة محزنة على أيدي خلفائنا الراشدين ومن بعدهم الأمويين، والعباسيين، وما تلاهم، في أزمة سبقت كثيراً قدوم أولئك القوم ذوي الجذور القوقازية الذين حملوا لوائها في فترة لاحقة وأسماهم التاريخ العثمانيين. كان أجدى لكاتبنا ذو القلم الرشيق، الذي يجيد اقتاص اللحظات الهاربة في عيون كل من يلتقي بهم في الشارع، والمرافي البعيدة أن لا يحاول الدخول إلى هذه المتاهة. صحيح أن العمامي كاتب رائع ومتعدد المواهب وصاحب قلم لا يرهب المغامرة، ودائم المحاولة والبحث عن الجديد والمثير في حياتا، لكننا نخشى عليه من هذا الجنون المحبب لكل كاتب ملتزم، فهو يكاد لا تستهويه تجربة إلا ويخوضها دون تردد، فنجده كتب عن أسماك المتوسط، وكتب القصة القصيرة، وكتب السيرة الذاتية لصديق عمره خليفة الفاخري، ولم يتردد في أن يكتب لنا كيف نطهو أسماك المتوسط بالثوم والكمون ونأكلها بالهناء في غداء يوم الجمعة، وقد فعلها النيهوم ذات مرة هو الآخر في سلسلة طعامنا الشهيرة بسبعينات القرن الماضي .. جنون إبداعي ..!! ربما.

لقد ذكرت ذات مرة أن محمد عقيلة العمامي كاتب متميز نعلق عليه أمالاً كبيرة في مجال القصة القصيرة، وأن تميزه الملفت في الكتابة عن البحر يجعلا نتطلع إلى " حنا مينة " ليبي من على ضفاف شواطيا، لكه كان يفأجيا في كل مرة بتسخير قلمه بالكتابة عن جواب وعوالم غريبة تبدو محسوبة أحياناً وغير محسوبة أحياناً أخرى .

وكعادته مهما اختلفنا معه في وجهات نظره التي يطرحها من خلال أعماله العديدة، نجده باستمرار يقدم كتبا يستمتع المرء بقراءاتها ويقضي معها أوقاتاً طيبة، وكتابه (الكراكوز) كتاب شيق ومثير للتأمل والضحك، وأيضاً الاشمئزاز من خلال الصور التي قدمها، خصوصاً فيما يتعلق بما يوجد خلف الأبواب المغلقة على الحريم والجواري والخصيان في قصور سلاطين بي عثمان، فنجده أحياناً يقدم أجواء إبداعية غاية في الشفافية والإتقان مثل حديثه عن ذلك العبد المخصي (زيتون) وآلامه التي لا تحتمل في الليل حين يجلس باكياً في وحدة قاتلة بغرفته أثناء الليل محاذراً أن يرى دموعه أحد، أو عندما يتبادل الرسائل مع العالم الآخر محدثاً صديقه التركي (كروكريان) الذي يدعي أنه أرمني، ولم تتكشف حقيقته إلا بعد وفاته عبر أخبار وصلته من أحد البحارة اليونانيين في مرفأ الصيادين ببنغازي.

(
الكتابة معاناة والكاتب الصادق يغمس ريشته بمداد الحياة )

عبارة أجهل قائلها .. أستعيرها ها لكي أقول، أن محمد عقيلة العمامي يغمس ريشته بمداد الحياة، لكن الكتابة عنده ليست معاناة طوال الوقت، فهو يكتب بحب وتفاؤل وفرح، وهذا ما يميزه ويجعلنا نقرؤه بمتعة نفتقدها عند غيره، والكراكوز كما نعرف فن شعبي يعتمد على انعكاسات الصورة عبر الضوء والضلال، لكن .. الصورة المعكوسة تكون في العادة غير مريحة للنظر .. هذا إن لم تكون مفزعة .. أليس كذلك..؟ 
.
25/09/2005

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

أجدابيا : تاريخها وأعلامها ... حمد المسماري

لذة الماضي وسحر البعيد
عـن دار البيـان للطباعـة والنشـر صـدر الجـزء الأول مـن كتـاب يحـوي 315 صفحـة مـن القطـع الكبيـر ، وبعنـوان طويـل نسبيـاً هــو " مدينـة مـن مـدن الشمـس .. أجـدابيـا تـاريخهــا وأعــلامهــا " الكتـاب مـن تأليف البـاحـث المجتهـد " مصطفــى السعيطـــي " وبشكـلٍ مــا هـو كتـاب عـن التـاريـخ ، لكـن الأحــداث والشخصيـات العـابرة مـن خـلالـه لا تقـدم مـادتـه بالصـورة التـي اعتدناها فـي قـراءة مثـل هـكذا موضـوعـات أكـاديميــة صـرفـه بـل تنـاول الكـاتب أحـداثـه وشخصيـاتـه بحميميـة بالغــة ، وحــب هـائـل ميـز كتـابات أدبـاء أجـدابيـا والمـدن المتـاخمـة للصحــراء بوجــه عــام ، بعشــق مدنهـم ولعـل هـذا الحـب يتجلـى فـي إبـداعـاتهم قـديمـاً وحـديثــاً والتـي امتلكت خصـوصيـة واضحـة فـي هــذا الجـانـب ، فهــم لا يجـارون كتـابات أبنـاء مـدن السـاحـل الـذين لا يتـرددون فـي إطـلاق أوصــاف قاسيــة مثـل " العجــوز ، مدينـة السـأم ، العلبـة الصـدئـة .....الــخ " مـن المفـردات والمسميـات المتسمـة بالقســوة والتمــرد فـي كتـابات أدبــاء المـدن الكبيـرة عـن مرابـع صبـاهـم وهـذا ليـس انتقاداً أو انتقـاصـاً مـن إبـداع أحــد لكنهـا مـلاحظـة جـاءت فـي سيـاق الكلمــات لكـن الحـب وحــده لا يكفــي لكتـابـة أشيــاء طيبــة إذا لـم يعـاضـده البحـث والتقصــي ، وروح المثـابرة فـي تتبـع مســارات الأحــداث والأشيــاء باتـزان ومـوضــوعيـة ، وهــذا مـا نعتقــد أن البـاحـث مصطفـى السعيطـي قـد فعلـه . 



 وقـديمــاً جـاء فـي كتــاب الرحـالة الفــرنســي " جـورج ريمــوند " عـن أجــدابيــا سنــة 1912 ف قــولــه ( لســت أعتقــد فـي الـدنيــا كلهــا سهــلاً موحشــاً فـي مثـل عــراء هــذا السهــل المـوحـش ، ولا شمســاً أشـد لظـى مـن شمسـه ، ولا ريـاحـاً أعتـى مـن رياحــــه ) وقـد يقــول قـائــل فـي قفــار بـائســة إلـى هـذا الحــد عـن مـاذا يمكــن للمــرء أن يكتــب ، لكــن السعيطــي قـدم لنـا بكتـابـه إجـابـة عـن هـذه التســاؤلات المنطقيــة ، حيـن تحــدث عـن أولئـك الرجـال الرائعيــن الـذيـن سطـروا بعـرقهـم ودمـائهــم ، وسيـرتهـم العطــرة مـلاحـم عظيمــة فـي جنبـات كـل ركـن فيــه .. مـلاحـم مـن البطــولـة والشــرف ، والإيمــان ، وقبــل هــذا كلــه الحــب المجــرد لــوجــه اللــه والــوطــن ، وهــذا مـا فـــات الرحـــالـة الفـرنســي " جــورج ريمــوند " رصــده وتـدوينــه للتـاريــخ ، وقــد يكــون للـرجــل عــذره فهـــو برصــده لحيــاة سكــان أجــدابيــا مـع بـدايــات القــرن المــاضــي ، لـم يستطيــع أن يفهــم أو يستـوعــب مـا تحـويــه ألــواح تلـك الكتــاتيــب والـزوايـا التـي رآهــا بـائســـة ، ومــا تزرعـــه فـي نفــوس طــلابهــا مــن علــم وكبــريــاء ، وورع ، ولــم يفهــم أشعــار حســن لقطــع ، ولا مخطــوطـات الأجــدابــي ، ولــم تطــرق أذنيــه تســابيــح شيــخ ضــريــر رائــع أسمــه عيســى الفــاخــري ، ولــم يعــرف تلـك الروحــانيــة العــاليــة التــي تبثهــا فــي القلــوب أذكـــار حمــدو الريحــانــه فــي ليــالــي المــوالـد وحــب الرســول ، ولــم يرقــص إلــى أقصــى درجــات التــوحــد مـع الإيقــاع - الـدنقــه - فـي حلقــات العــراب مــوســى طخـــــة .. 

لقــد اختـــار الكــاتــب تقــديـم المكــان مـن خــلال الــوجــوه الطيبــة الأصيلــة التــي استوطنته ، وعــاشت فيــه سنــوات لا حصــر لهــا ، ونجــح فــي ذلـك إلـى حــد بعيــد ، وقــدم كتـابـاً جــديراً بالقــراءة ، ولا يمكــن لنــا أن نــديـن العــاطفــة الجيـاشــة التـي سكنــت الأحــرف والكلمــات بشكــل مبــالــغ فيــه أحيــانـاً ، ونحكــم علـــى الكتــاب بالقصــور فـي عـرض مثــل هــذه المــواضيـع التـي لا تهـــم أبنــاء مــدينــة الشمــس أجــدابيــا وحــدهــم .. ومــا أحــوجنــا إلــى مثــل هـــذه المـؤلفـات التــي تستــرجــع لنــا وجــوه وأسمــاء لــرجــال ونســاء لــم يكــن مــرورهــم فــي هــذه الــدنيــا عــابـراً رغــم النسيـــان ، فكــم مـن أجســـاد لأرواح عظيمــة لأسمــاء ضــاعــت مــن ذاكــرة الــوطــن فــي قبـــور منسيــة بثــراء رحــاب كــل مــدينــة وقــريــة وواحــة ، وفــي جبــال ووديــان ورمــال صحــــراء ليبيــــا العظيمــة هــائلــة الأتســـاع ..

 وبصــراحــة مطلقــة أنــا لا أعــرف الكثيــر عــن أجــدابيــا ، ولــم أسمــع يــومـاً عــن أسمــاء مثــل: " عبــد العـزيز الأبيـض ، فاطمــة قنيبــر ، أحميـده بشيــر ، تفــاحــة ، اللافـي بــونشـــو " وغيــرهــم مـن الرجــال والنســاء الرائعيــن الــذين حــوت سيــرهــم ، ورســوم صــورهــم بريــش وأقــلام فنــانيــن موهـوبيــن مـن مـدينــة أجــدابيــا صفحــات الكتــب الشيـــــق .. وقــدم الكــاتـب لــي ولغيــري خــدمــة جميلــة بتعــريفنــا بهــم ولــو بعــد حيــن ، وهــذا بحــد ذاتــه رســالـة ســاميــة الهــدف بتقــديمــه للمكتبــة الليبيــة والعــربيــة ، وأعتقــد أن كتــاب " أجـــدابيــا تاريخهــا وأعــلامهــا " لــن تخلــو منــه مكتبــة أي بيــت أجــدابــي أصيــل ، وســوف يعــاد طبعــه مــرات ومــرات لمــا حملــه مــن أفكــار نبيلـــة صــادقــة دون شــوائــب أو عقــد مــن أي نــوع ، وحسبــه ذلـك شــرفـاً .

وتبقــى هنــاك ، وكنــت أود عــدم عــرضهــا ، والتطــرق إليهـــا ، حتـــى لا أفســد فـرحتنــا بهــذا المــولـود الجميــل فـي أســواق كتبنـا الكئيبــة المكتظــة بكتـــب لا يقــرؤهــا أحــد .. أولــى هــذه المـلاحظــات .. أن بعــض الشخصيــات الهــامــة فـي تـاريـخ الــوطــن كـان يجــب أن تـولــى عنايــة أكبــر عنــد التطــرق إليهــا وعــرضهــا مثــل " الأجـــدابــي ، حســن لقطــع ، عيســـى الفـاخــري ، أمحمــد المقـريـف " فمثــل هـذه الأسمــاء تحــديـداً لا تـذكــر أجــدابيــا ألا مقــرونــة بهــم غــالبــاً ، وقــد قــدم الكتـاب سيــرهــم بـاختصــار شــديــد جــداً ، كمــا كـان هنــاك خطأ علــى الأرجــح أنــه مطبعــي فــي تـاريـخ ميــلاد ووفـاة الاســم الأخيــــر . 


ثـانــي المــلاحظــات التـي قــد تبــدو متـواضعــة ، ورود أسمــاء بــدا أن دخــولهــا الكتــاب جــاء مـن بــاب المعــرفــة الشخصيــة ، وصــداقـات الكــاتــب نفســــه .

المــلاحظــة الأخيــرة .. كنــت أرغــب أن يــولــي الكــاتـب عنايــة خــاصــة بنقطــة أراهــا هــامــة جــداً ، وهــي أن الكثيــر مــن الشخصيــات قــدمــت إلــى مــدينــة أجــدابيــا مــن أمـاكــن أخــرى ، واستوطنتهـــا وسطــرت أسمــاهــا بتـاريخهــا الطــويــل .


وأجمــل مـا يحســه المــرء فــي هــذا الكتـــاب ، هــو ذلـك الشعــور بأنه تبــاركــه مــدينــة بأكملهــا مــوفـرة لــه كــل الطــاقـات والإمكانيـــات المــاديــة لمعـانقــة النــور .. فهــو إذن ذاكــرة مــدينــة .. ذاكـــرة أجــــدابيــا ، وأهلهــا البسطـــاء الطيبيــــن .

ذات مــرة فــي نهـــاية خمسينيــات القــرن المــاضــي كتــب الأديــب الراحــل الصــادق النيهــوم مقــالاً حمــل عنــوان " شعــب يكتــب تـاريخــه بالأغنيـــة " قـال فيــه :

(التــاريــخ علــم ، وعلــم جميــل فيـــه لــذة المـــاضـــي وسحــــر البعيـــد)


ويا له مـن مــاضٍ جميــل ، وسحــر يفــوق الخيــال ذلـك الــذي أستحضــره لنــا الكـاتـب والبــاحــث المجتهـــد مصطفــى السعيطــي مـن بقــايا صـــور لــوجــوه نـاس ، وشــوارع ، وقبــور منسيــه لمــدينــة كـادت تنســى أيــامهــا الطيبــة الـدافئــة العــامــرة بالحــب والبهجــة والفــرح ، وأيضــاً الشقـــاء والألـــم .. فــلا يسعنــا إلا أن نحييـــه ونشيــد بمــا يصنــع ، ونـأمــل أن نــرى فــي قـادم الأيــام مـن الكــاتب ، ودار البيــان الجــزء الثـانــي مــن هــذا الكتــاب ، وأن تــولــي جهــة مــا أيـاً كــانت مشــروع مثــل هكــذا مـؤلفــات نحــن فـي حـاجــة مـاســة إليهــا لقـراءة تـاريــخ مدننـــا وقــرانـا .. فمــا أفقــر مكتبــاتنــا مـن الكتــب التــي تتحــدث عنــا ، وتقــدمنــا للآخــرين دون ريــاء أو كــذب مفتضـــح .


ربمـا كتبـت بعـاطفــة مـا ، تجــاه مـا قــرأت للبــاحــث مصطفـــي السعيطــي ، فـانـا والكثيـريـن غيــري مثلــه ، مسكونيـــن بحــب المـاضــي ، ومتحســرين علــى ضيـاعــه وعــدم تـوثيقــه فــي خضــم اهتمــامـات أخــرى لا تعنــي أحــداً للأســف سـوى أصحـابهـــا . فهـــل سيكــون كتـابــه عــن درة مــدن الشمــس أجــدابيــا فـاتحــة خيــر لكتـب أخــرى عـن مدننــا وقــرانــا عبــر سـاحلنــا الشــاســع الأتســاع ، وصحــراءنــا العظيمــة المتــراميــة الأطــراف ؟ ... نأمــل ذلــك .



سبق نشره بتاريخ الخميس 01 يوليو 2004