‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة ، ادب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة ، ادب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 24 مارس 2018

الإرهاب السيميائي ... حمد المسماري

الفنان الليبي بشير حمودة

لا يتعــدى عـددهـم أصـابـع اليــد الـواحــدة ، وليــس لديهــم ثمـة تجـربـة أو نتـاج فكــري ذو قيمــة ، ولـم تستـرع كتابـاتهـم يـومـاً اهتمــام أحــد ، كمــا لـم ترســخ أسمــاؤهـم فـي مشهــدنا الثقـافـي بعــد ، والتـي ينشـرهـا لهــم رؤساء تحــريـر بعــض الصحــف علـى مـا يبــدو اتقــاءً لقـامـوس شتـائمهـم المعتـادة .. ينــادون بالمنهــج العلمــي فــي النقــد ، ويتحــدثـون بثقــة العــارف عـن مــدارس اللســانيـات الحديثـة التـي يستلــزم فهمهــا تخصصــات أكـاديميــة ، وإلمـاما رفيـع المستـوى باللغــات الأجنبيــة والريـاضيــات والفيــزيــاء ، وهـم بالكــاد يجيــدون العـربيــة ، ولا تخلــو ورقــة واحــدة يكتبـونهـا مـن عشـرات الأخطــاء اللغــويـة والنحــويـة غيـر المعقـولـة .. 

يتفـّهــون كتـابات كـل مـن خــط حـرفـاً فـي قصــة أو روايـة أو قصيــدة طـوال تـاريـخ ثقـافتنــا الليبيــة المعاصــرة ، ويقــررون أن كــل نتـاجنـا الفكــري بــل والمشــرقـي أيضــاً ، مكــانـه علـى حــد تعبيـرهـم "الــزبــالـة" ولا يعتـرفـون فـي ثقـافتنــا العربيــة إلا بنتـاج الجـزائرييـن والمغـاربـة والتونسييـن الـذيـن ترجمــوا بحكــم ثقـافتهــم الفرنسيــة بعــض كتـب عـن السيميــائيـة وليتهـم مـا فعلـوا ، وإلا مـا كــان ابتــلاء مشهــدنـا الإبـداعـي بتنظيـرات هـؤلا الجهـابذة .. لا يـوجـد لهـم فـي مكتبـاتنـا إلا كتـاب واحــد لـم يسمـع بـه أحــد طبـع منـذ سنــوات فـي غفلـة مـن الــزمـن .

قــرر الفــرســان الأربعــة فــي الفتـرة الأخيــرة أن يبهــرونـا بمــا يدعـون فهمــه بالقــوة بعــد أن فشـلوا بـذلك بكتاباتهم ، فكــان ظهــورهــم المســرحـي الصـاخــب والطـريـف بآن واحـد أثنــاء الدورة السـادسـة لمهـرجـان المـدينـة الثقـافـي ببنغــازي ، وحــولـوا النـدوتـين اليتيمتـين فـي أيـامـه عـن شعـر الشبــاب إلـى مسـرحيـة هزليـة ضحــك فيهـا الحضــور أكثــر ممـا استمعـوا ، وكـانــوا يدعــون الجميـع لشتمهــم ضـاحكيــن رغبــة فـي التعـريـف بهــم ، ولســوء تقــديري انطلــت الحيلــة علـي فداعبتهـم بطــرفـة بصحيفـة المهـرجــان لأصبــح بعــدهـا المسبــب الرئيسـي لكــل مشـاكـل الثقـافـة الليبيــة أنـا الجاهـل علـى حــد تعبيـرهـم الـذي ككـل المثقفيـن الليبييـن لا يقــرأ لـ الشكـلانييـن الـروس ، وسـوسيـر وبـاشلـر وبـارت وصفـر كتـابته ، وبـاقـي الأسمــاء التـي يستحيــل فهــم كتـاباتهـا دون إلمـام جيــد بالفرنسيــة والإنجليـزيـة ، وربمـا الروسيـة أيضــاً ، لكـن أصحـابنـا فعلـوهـا بعربيتهـم المكسـرة وعلينــا أن نقتنــع بذلـك وإلا .. !! 

أسســوا مـا أسمـوه بالحلقــة السيميـائيـة فـي جلســات أسبــوعيـة لا يحضـرهـا سـواهـم ، معلنيــن إنقــاذ النقــد الليبــي مـن ركـاكـة الانطباعية ، والنقــاد الـذيـن مهمــا كبـرت أسمــاؤهـم وتجـاربهـم مجــرد قطيــع مــن الجهلــة برأيهــم ، ويـروجــون لمصطلحــات جـارحـة ، مثــل – تنظيـم القطعـان البشـريـة – الــزبـالـة – التكـريــس – بطـولات مجـانيــة – الشعــوذة - ولا يمــلون مـن ترديـدهـا بمقهـى عيـن الغـزالـة الـذي ربمــا "يسميئـون" نـادلــه المسكيـن رغـم أنفـه فيقـدم لزبـائن المقهـى المكيـاطـة بـدون رغـوة والشــاي بـدون سكــر وإذا مـا اعتـرضـوا يطردهـم لجهلهـم بالسيميائية ويطرده صـاحـب المقهـى بدوره مـع أســاتذتـه وينقطـع عيشـه .. ولـديهــم ولــع غــريـب بتـرديـد الأسمــاء والمصطلحــات الأجنبيـة العلميـة ذات الــوقـع الرنـان وآخـــر مـا أتحفـونـا بـه نحــن الكتـاب الجهلـة ذوي الثقـافـات القـديمـة البـاليـة فـي نظــرهـم مصطلــح "ديكسـولوجيـا" وإذا مـا أعلنـت عـن جهلـك بالمصطلـح وتطلـب منهـم تعـريفـه تصــل لقنـاعـة تـامـة أنهـم أكثـر جهــلاً بـه منــك .. وذات مــرة تنــاولـوا نصــاً شعـريـاً لشــاعـر حـداثـي شـاب ذي تجــربـة طيبــة ، وكـان النــص ملــيئا بدلالات اللـون ، فتصــدى أحـدهـم لشــرح مـا استعصى علـى الجميـع إدراكـه ، ونسـى ترديــد حلقتهـم الدائـم عـن تـأويـل النــص وقـراءتـه مـن زوايـا متعـددة حسـب فهـم المتلقــي وذائقتـه الشعـريـة ، وطفـق يشــرحـه بطـريقـة ذكـرتني بشــرح غــوار لقصيــدة أبـو عنتـر "زنجيــة شقــراء" الـذي استنتـج أن أبـو عنتــر يرمـز لرغيـف الخبــز السـاخـن عنـدمـا يخـرج مصفـراً مـن الفـرن و كـذلك الجـوع . 

والــواقـع أن لا أحــد يرفــض وجــود هـؤلاء الممتشقيــن سيـف السيميـائيـة النقــدي فـي مشهــدنـا الإبـداعـي ، ووجــودهـم بصــدق لا يخلــو مـن الطــرافـة ، ونجحــوا فـي أن يجعلـوا الكثيــر مـن الكتـاب والأدبــاء الــذيـن جمعهــم مهـرجــان المـدينــة يتفقــون لأول مــرة علـى شــيء واحــد ، وهــو أن فرســان السيميـائيــة لـدينـا ينقصهــم الكثيــر والكثيــر جــداً لأبســط أساليــب الحــوار الفكــري المهذب.

ولنــا أن نتســاءل .. ألــم يعـــد ينقصنــا شــيء فـي حــواراتنـا الفكريــة إلا الحــديــث عـن باشلـر وسـوسيـر وكرستيفـا وبـارت الـذي قـال ذات مـرة أن "اللغـة ليسـت زاداً مـن المـواد بقــدر مـا هـي أفـق" ليحـاولـوا بصخــب إرهـابـي سيميـائـي تحــديـد أفــق نظــرتنـا للأمــور بعكــس كــلام معلمهــم المتداول اسمــه فـي أحـاديثهــم عشــرات المــرات بمناسبـة وبـدون منـاسبــة .

فيــا فــرســان السيميـائيـة الأربعــة :

احترمـونا قليــلاً .. 

احتـــرمـوا جهــلنـا بنظـريـاتكـم النقــديـة الخطيـرة .. 

احتــرمـوا مـن بـاب الــذوق علـى أقــل تقــديـر تجــربـة مـن نعتبـرهـم نحــن روادا مـن مبـدعينــا ..

وحـاولــوا أن تكــون كتـاباتكـم ببـراعـة أحـاديـث مقـاهيكــم فنحـن قابلـون للاقتناع والفهـم إن قلتــم لنـا جمــلا مفيــدة .

هــذا غيــض مـن فيــض كمـا نقـول فـي لغتنــا التـي نـدعـوهـا الجميلــة عــن سيميـائينــا وأخبـارهـم المثيــرة التـي قــد لا تنتهــي ..


نقلا عن مجلة أفق الثقافية ، 19 مايو 2005

الثلاثاء، 13 مارس 2018

الشعر المحشي....حمد المسماري




ذات ظهيرة كنت أجلس مع الصديق الكاتب السياسي عزالدين اللواج، ولمن لا يعرفنا فاثناننا من ذوي الأوزان الثقيلة، ثم انظم إلينا الشاعر صالح قادربوه، فأخذ عزالدين يحدثه عن أحد نصوصه واختار من جوعه أن يشيد بنص لقادربوه مركزاً فيه على شطرة عن الفاصوليا المطبوخة، وأردت بدوري إدارة دفة الحوار إلى موضوع الشعر المحكي، فكان عنوان هذا المقال ليتركنا قادربوه ضاحكاً لجوعنا، وأذهب مع اللواج بعد أن أحصينا ما في جيوبنا لأقرب مطعم.

هكذا ببساطة جاءت فكرة هذا المقال عن جماعة الشعر المحكي الأربعة الذين أضحوا رغم أنف وتذمر شعراء الفصحى نجوم أمسياتنا الشعرية، وسط إعجاب البعض وسخط البعض الآخر .. وظهور شعراء المحكية الأربعة الغير قابلين للزيادة منذ زمن في مشهدنا الإبداعي، أعتقد يحتاج منا إلى وقفة تأمل وتحليل لطبيعة نظمهم باللهجة العامية، وطريقتهم المسرحية في إلقاء قصائدهم التي ترتكز أغراضها حول كل مدينة تحتضن أمسياتهم، ففي بنغازي يتغنون بالمنارة وخريبيش والبنغازيات الفاتنات، وفي طرابلس بالسرايا وذوات الفراشيات المنقرضات في المدينة القديمة، وفي درنة بالشلال، وفي تنسلوخ لا أدري بماذا! أي أنهم يوظفون شعرهم إن جاز لنا تسميته شعراً للتغني بكل مكان يستضيفهم، ولا بأس بكم قصيدة غزلية في شاعرة تارة، ونحاتة أو رسامة تارة أخرى، ولم نسمع لهم حتى الآن قصيدة رثاء واحدة، فهم فرحون مبتهجون على الدوام .. والغريب في أمر شعراء المحكية الغير قادرين على النظم بالفصحى نثراً أو عموديا أو تفعيلة، على ما يبدو .. !! تبرمهم وضيقهم الواضح إذا ما وصفتهم بشعراء شعبيين، وكأنما الشعر الشعبي سبة أو نقيصة لقدرهم، ولا يتماشى مع بدلاتهم الأنيقة وعطورهم الباريسية الأخاذة الرائحة.. الأمر ببساطة أخذ يكتسي شكل الظاهرة، وتواجد هذه المجموعة كنجوم أمسيات رغم اختلاف الآراء حول طبيعة نظمهم والتي لا تتفق سوى بشيء واحد هو الإعجاب بإصرارهم على الظهور والتواجد المكثف في كل الملتقيات الأدبية حتى وإن لم تكن تعنيهم أو لها علاقة بالشعر أصلاً.

وإذا ما حاول المرء بشيء من التحليل أن يستدل على طبيعة تجربتهم التي يراها الأستاذ محمد السنوسي الغزالي ذات جذور راسخة في الشعر العربي، منطلقاً من تجربة الحكواتي في مقاهي الشرق القديم، ومستدلاً بتجارب أحدث للأبنودي وسعيد عقل وغيرهم دون أن يلاحظ أن هولاء هجروا الفصحى التي يجيدونها في الأساس ليحدثوا الناس البسطاء بلهجتهم البسيطة أيضاً.. بعكس فرساننا الأربعة الذين كل همهم كما يترأى لنا منهم، مظهرية تخلو من أي عمق أوشاعرية في نصوصهم، باستثناء أحدهم الذي كان شاعراً شعبياً في الأساس، وكتب نصاً جميلاً ذات زمن عن عيون سالمة لا يخلو من شاعرية وجمال.

فالمبرر الأساسي في نظر البعض لظهور هذه التجربة المسماة الشعر المحكي، هو مخاطبة المتلقي والوصول إليه بلغة يفهمها ويتداولها في شؤونه اليومية، والتعبير بمصطلحات على مستوى اللهجة تبدو أكثر حداثة، فمفردات غزل شعراء شعبيين كبار مثل حسن لقطع والشيخ قنانة وغيرهم، ما عادت بنظرهم صالحة لمخاطبة متلقي الألفية الثالثة بمصطلحاته وتجاربه المتجددة، وهذا كلام جميل ووجهة نظر تحترم، ولكن ماذا عن شعرية النص نفسه المنتحرة في قصائدهم وأمسياتهم بصورة تدعو إلى الضحك والرثاء، ولا بأس من أن نسوق بعض الأمثلة فهذا أحدهم يتغزل بنحاتة:

خوذي الحصى ..
يا إنتي .. يا هُوووه .. يا .. شعر قايل روحه .
ديما وأنا خاطر علي .. كيف الأطفال نخاطبك ..
ونقول : يا .. سمُّوحة .

يا هوووه.. يا سموحة.. هل يستعصي على أيٍ كان وصف مثل هذه الكلمات بوصف؟ لا أعتقد أنه يحرك مشاعر أحد، اللهم الشاعر نفسه.. ربما !! ؟؟ ,, ولنقتطف من بستان محكي آخر هذه الأبيات :
ونغيب في صمت المعاني.. شوق
ونسكن أبراج الريح
ونبات ف أنفاس النهار.. شروق
ونذوب في خيوط الشمس.. تسبيح
ونرحل مع غيم الحنين بروق
ونعود في عيون القمر..سهرايا
ونغم..

الشاعر هنا أفرط في الخيال ليتحول أمامنا إلى شوق يسكن أبراج الريح التي لم نستدل على عنوانها بعد، وينام مقروراً في أنفاس النهار متحولاً إلى شروق، ليذوب بعدها ويتلاشى تسبيحاً مع خيوط الشمس، ثم يرحل مع غيم الحنين بروق ورعود، ليتم تحوله في نهاية المطاف إلى سهر ونغم في عيون القمر .. لو فهم أحدكم شيء فليخبرنا سر هذه التحولات المرعبة كفيلم هوليودي للمخرج سبيلبيرج .

وهذه عينة أخرى :

وفي رجوعي، سؤال أمي عن الأخبار يسألني
:
عطوك واجب اليوم ؟
عطوني حرف الألف
عطوني رقم واحد نكتبهن صفحتين
ونحتاس فى خطي

هل يحتاج المرء إلى لقب شاعر ليكون قادراً على نظم ما سبق من مشاعر ولحظات لطفل عائد لأمه في أول يوم دراسي، إذن فلنتحول جميعنا إلى شعراء محكية وننظم كيف ما اتفق، والويل لمن ينتقدنا. لكن أغرب ما في الأمر كم التصفيق الذي يعقب هذا الكلام الخالي من أي شيء، فما بالك الشعر.. فهؤلاء الشعراء ينطبق عليهم قول "روي كامبل" (أنهم يستخدمون اللجام والسروج جيداً، ولكن أين هو الحصان بالله عليك!؟) وأنا أقول أين الشعر بالله عليكم فيما تقولون يا شعراء المحكية..!؟

الشعر أيها السادة كما قال أحدهم "رؤيا ونبوة " سواء نظمه نيرودا أو البياتي أو شاعر بدوي يسوق قطعانه في ودياننا الخلابة الجمال، مترنماً بأبياته تارة، ويصدح بمقرونته تارة أخرى.. فروائع شعرنا الشعبي التي تعيش في وجداننا لم يعرف ناظموها حتى ماذا تعني كلمة أمسية أو مكبر صوت، وإذا كان فرسان المحكية الأربعة غير قادرين على إقناعنا حتى الآن بطلاسمهم الغريبة المضحكة فلأن ذاكرتنا الشعرية، قد تعودت على روائع شعراء شعبيين حقيقيين خاطبونا بلهجتنا، وأحسسنا بصدق أشعارهم، والشعر الليبي في رأيي ليس في حاجة لأن يكون حقل تجارب لمحترفي الأمسيات وطلاء الكلمات.

وكما يقول البنغازيون حين يحجمون عن إكمال الحديث، نقول نحن أيضاً مختتمين كلماتنا هذه... محكية.

23/05/2005
موقع جيل

الخميس، 28 أغسطس 2014

زمـــن طـــائـــر السنـــونــو(قصة قصيرة) ...حمد المسماري

مـع بـدايـة فصـل الخـريـف مـن كـل عـام كـان النـاس فـي بنغــازي القـديمـة علـى مـوعـد مـع طـائـر أسـود وأبيـض اللـون صغيـر الحجــم ، رشيـق وسـريـع الحـركـة بصـورة مـدهشــة أسمـه  طـائر السنــونـو ، وكـانـت العجـائـز يرويـن عنـه الحكـايات للأطفـال المقـروريـن حـول المـواقـد فـي ليـالـي الشتـاء الطويلــة .. كـان النـاس يـدعـونـه  "  أم بسيســـي  "  ويتنــاقلـون عنـه القصــص المثيـرة ، وكيـف أن أم بسيســي هـذه تـذهـب إلـى مكــة للحــج سبــع مـرات ، وغيــر ذلـك مـن الخــرافـات الشعبيــة التـي كـان يصـدقهـا الصغـار والكبــار بسـذاجــة مفـرطــة  .. ولا يـوجـد  الآن ممــن عـاشــوا فـي ذلـك الزمـن الطيـب الجميـل ، لا يعـرف قصـــة أم بسيســي ورحلـة بحثهــا المضنيــة عـن ذيلهــا لكــي تعيـــد بـه يــوم العيـــــد.

فـي تلـك الأيـام كنــا نعيــش  بمنطقــة البركــة  ، وقــد أمضينــا سنــوات طفـولتنـا نـذرع شــوارعهــا  حتـى الحميضــة ، و الرويســات  و السبــالة  ، وهـي الحــدود الغيــر مسمــوح  لنـا كأطفــال  بتجــاوزهــا   . 

وظللنـــا نجــوب كـل الأمكنــة بهـذه المنــاطـق دون خــوف عــداء مقبــرة  "  سيــدي داو ود  "  والكنيســـة الكبيــرة فـي الميــدان المحــاطـة بالأســوار الحــديديـة الســوداء وألا شجـار العمــلاقــة  وصمــت المكــان  فقـــد  كنــا بشكـــل غــريزي نخشـــى الاقـتــــــراب منهمـــا ، وحتــــــى عنـــدمـا نستجمـــع  شجـاعتنــا ونتلصـــص كـجــرذان مـذعـورة مـن خلــف أسـوارهمـــا  كـان غمــوض المكـانيــن، وعـدم استيعابنا الجيــد للأمــور ، ومعـارفنــا الرديئـــة، وعقـولنــا المشــوهـة بالخــرافـات و الأســاطيــر تـزيـد الأمــور تعقيـــداً فالنصــارى كنـا نراهــم علــى الــدوام مخلــوقـات شـريرة مكــانهــا نـار جهنــم رغــم وداعتهــم المفــرطـة و ابتساماتهم الــودودة لنــا، وأســوار المقبــرة  مجــرد مكـان ملــيء بالعفــاريـت
 وعـوالــم الجـان السفليــــة ..

كنــا نحـــك رؤوسنــا  كلمــا رأينــا راهبــــة أو قسيــس مسيحــي أو سيــارة إسعــاف  بيضـــاء، ورغـــم مضــي كـل هــذه السنــوات لا أعــرف لــم كنــا نفعـــل ذلـك ومــا وجــه  العــلاقــة  … ؟ 

وظــل طــائـر السنــونـو يفـاجئنـــا دائمــاً مـع أول نسمــات الخــريـف  بطيرانــه الرشيــق وسـرعتـه المـذهلـة و ألعابه المثيــرة بشــوارعنــا التربيــة ، ويثيــر إعجـابنــا بحـركـاتـه البهلوانية صعـوداً وهبــوطـاً علـى مستـوى منخفــض يكــاد يلامــس الأرض  ... فيمــا يظــل أمهــر الصبيــة مـن صيــادي الطيــور فـي الأزقـــة القـديمــة يحــاولـون باستماتة اقتناصه
 دون جــدوى... ولا أذكــر ولــو  مـرة واحــدة أنــي رأيت  سنـــونــوة فـي قفـص أو حتـى جثــة هــامـدة بـل كـان هـذا الطــائر المــدهــش  محلقــاً  بســرعتـه المعهــودة بفضاءات شــوارعنـــا  و سموات  اللــــه  .

وكــان السكــان يعــرفــون بعضهــم دون تحفــظ أو عقــــــد مـن أي نــوع فــي عـلاقــات مبنيــة علــى البســاطـة والصـــدق  .. ويـربــون الســلاحــف ويعتبـرونهــا فألاً حســناً ، ويــزرعــون دوالــي العنــب التـي تطــل بعنـاقيــدهـا الخجــولــة علــى الشــوارع مــع بــدايات شهــر يــوليـو  ، ويتقــافز  الصبيــة فــي محــاولات  يـائســة لقطفهـــا  ..  لقــد كـان النــاس فقــراء طيبيــن يصــارعــون الحيــاة مـن أجــل قــوت يـومهــم ،  و إطعــام صغــارهــم  لكنهــم كــانــوا  أيضــاً إلـى حــد مــا سعــداء  ،  وبـرأتهــم  أعطتهــم تلـك السمــة المحببـــة  دون أن يــدروا أو يشعــروا بــذلك  .

ودارت عجلـة الـزمـن ، ومــرت الأيـام برتـابـة ممــلة وكبــر الصبيــة وتفـرقـت بهــم السبــل فـي دروب الحيــاة .. رحــل البعــض إلـى مـدن الثلـج والضبــاب والكاتدرائيات العتيقــة والحمـــام عبــر الميــادين ولــم نراهــم بعــد ذلـك قــط ، فيمــا تـوجـه آخـرون صــوب رمــال الصحــراء المحـرقــة بحثــاً عـن فـرص عمــل فـي شــركـات البتـرول الأجنبيــة  .. وأكمــل البعــض تعليمــه ، وأنقطــع آخــرون  ، ومـارس البعـض لعـب كـرة القــدم فـي  أنـديـة المـدينـة دون حــظ جيـد رغـم مهـاراتهـم العـاليـة بمـداعبـة الكــرة  .. والأغلبيـة تـزوجــوا  و مـلؤا الشـوارع بأطفال سيئي التـربيــة ولـم تتغيــر حيــاتهــم كثيــراً  .

كـان  الكثيــرون مـن شبــاب بنغــازي يحبــون القــراءة والإطــلاع  ، وعلــى درجــة عــاليــة مـن الثقــافة الراقيـــة فـي الأدب والفلسفـــة والفــن  . يتـابعــون بوسـائلهــم المتـاحــة العــالم مـن حـولهــم  .. يعــرفــون تشــي جيفــارا  وكولــن ويلســون وجـان بـول ســارتر  ، و أخبــار الهيبييـــن فـي ســوهـو  ..  ويشــاهدون أفــلام جيمــس ديــن ومـارلـون برانــدوا ، ويرقصــوا  "  زوربــا  "  مـع أنتـونـي كــــويــن ويترنمـــوا بأغانــي  أم كلثــوم  وفيـروز وفــريــد الأطــرش  .. 

 كـانـوا مثقفيــن حقيقييـــن  رغـم بسـاطتهــم يتـابـعــون جـريـدة الحقيقــة ، ويعشقــون بعـض أقـلامهــا المتميـزة ، متــابعيــن  بشغــف مقــالات الصــادق النيهــوم  وخليفــة الفــاخــري  ، ويـرددون أشعــار علــي الفــزانــي ومحمــد الشلطــامــي  .

كــانــت بنغــازي يــومهــا بريئــة وطيبــة والنــاس بسطـــاء واللــه  كــان يغــدق الأحــلام فـي الشــوارع العتيقـــة بسخــــــاء  .

ولكــن لا شــي يبقــى علــى حــالـه كمــا يقــولــون  ..  هجــر النـــاس  بيــوتهــم القــديمــة ذات الأبــواب الخضــراء المبــاركــة ، و  انتقلـوا  للعيــش فـي الأحيــاء الجــديــدة الرديئــة العمــران  ، بإطـراف المـدينــة  وتهــدمـت الكثيــر مـن الأزقــة  والشــوارع ومـاتـت الكثيــر مـن الـذكـريـات  .. وما صمـد  فـي وجـه الـزمــن مـن بيـوتنــا القــديمــة أصبــح مــأوى للجــرذان  و أســراب الغــربـاء   .. اختفـت دوالــي العنــب  المطلــة مـن أسطــح البيــوت بعنــاقيـدهـا الخجــولـة  ، ومـاتـت الســلاحــف  ، و امتلأت الشــوارع بالفــوضــى وضجيــج السيــارات والرجــال الجــوف  ..  أزيلــت المقــابر بسيــدي حسيـــن والبركــة والكيــش وشــارع الشــريـف  ، وجــزء مـن مقبــرة سيــدي عبيـــد ، وتقــاسمـــوا فـي مكـاتب العقـارات المريبــة أراضيهــا دون خجــل  مـن تـاريخهــم وقبــور مـوتـاهــم   ...  ومــاتت الكثيــرات مـن عجـائزنـا الطيبــات ، ومـات الصـادق النيهــوم وخليفــة الفـاخــري وعلــي الفـزانــي  ، وصمــت الشلطـامــي فـي دلالات واضحــة عــن مــوت معلـن للشعـــر وهــزيمــة أخــر الشعــراء المحتـرميــن   .

قلــت مـاتـت الكثيــرات مـن عجــائزنــا الطيبـــات  … نســي النــاس مـع تعــاقـب الفصــول والمــواســم  قصــة  "  أم بسيســي  "  وبحثهــا المضنــي عــن  ذيلهــا لكــي تعيــــد بــه يــوم العيــــــد  ...ويصعقنـــا الســــــؤال   : أن ينســـــى النــاس الطـــائـر الصغيـــر  أمــر طبيعـــي وقــابـل للتفسيـــر والاستيعـــاب  ...  لكـــن  أن يهجـــرنـا  طـائر الذكـريات والشجــن  منــذ سنــوات متغيبــــاً  عـن مـوعــده معنــا مـع إطــلالـة كــل خــريـف فهــذا مـا لا يمكـــن  تفسيــره أو استيعابــــه   ....

فهــل رأى أحـــدكــم طـــــائـر  سنــــونـــو  ....  ؟ 

سبق النشر عام 2003