الخميس، 28 أغسطس، 2014

زمـــن طـــائـــر السنـــونــو(قصة قصيرة) ...حمد المسماري

مـع بـدايـة فصـل الخـريـف مـن كـل عـام كـان النـاس فـي بنغــازي القـديمـة علـى مـوعـد مـع طـائـر أسـود وأبيـض اللـون صغيـر الحجــم ، رشيـق وسـريـع الحـركـة بصـورة مـدهشــة أسمـه  طـائر السنــونـو ، وكـانـت العجـائـز يرويـن عنـه الحكـايات للأطفـال المقـروريـن حـول المـواقـد فـي ليـالـي الشتـاء الطويلــة .. كـان النـاس يـدعـونـه  "  أم بسيســـي  "  ويتنــاقلـون عنـه القصــص المثيـرة ، وكيـف أن أم بسيســي هـذه تـذهـب إلـى مكــة للحــج سبــع مـرات ، وغيــر ذلـك مـن الخــرافـات الشعبيــة التـي كـان يصـدقهـا الصغـار والكبــار بسـذاجــة مفـرطــة  .. ولا يـوجـد  الآن ممــن عـاشــوا فـي ذلـك الزمـن الطيـب الجميـل ، لا يعـرف قصـــة أم بسيســي ورحلـة بحثهــا المضنيــة عـن ذيلهــا لكــي تعيـــد بـه يــوم العيـــــد.

فـي تلـك الأيـام كنــا نعيــش  بمنطقــة البركــة  ، وقــد أمضينــا سنــوات طفـولتنـا نـذرع شــوارعهــا  حتـى الحميضــة ، و الرويســات  و السبــالة  ، وهـي الحــدود الغيــر مسمــوح  لنـا كأطفــال  بتجــاوزهــا   . 

وظللنـــا نجــوب كـل الأمكنــة بهـذه المنــاطـق دون خــوف عــداء مقبــرة  "  سيــدي داو ود  "  والكنيســـة الكبيــرة فـي الميــدان المحــاطـة بالأســوار الحــديديـة الســوداء وألا شجـار العمــلاقــة  وصمــت المكــان  فقـــد  كنــا بشكـــل غــريزي نخشـــى الاقـتــــــراب منهمـــا ، وحتــــــى عنـــدمـا نستجمـــع  شجـاعتنــا ونتلصـــص كـجــرذان مـذعـورة مـن خلــف أسـوارهمـــا  كـان غمــوض المكـانيــن، وعـدم استيعابنا الجيــد للأمــور ، ومعـارفنــا الرديئـــة، وعقـولنــا المشــوهـة بالخــرافـات و الأســاطيــر تـزيـد الأمــور تعقيـــداً فالنصــارى كنـا نراهــم علــى الــدوام مخلــوقـات شـريرة مكــانهــا نـار جهنــم رغــم وداعتهــم المفــرطـة و ابتساماتهم الــودودة لنــا، وأســوار المقبــرة  مجــرد مكـان ملــيء بالعفــاريـت
 وعـوالــم الجـان السفليــــة ..

كنــا نحـــك رؤوسنــا  كلمــا رأينــا راهبــــة أو قسيــس مسيحــي أو سيــارة إسعــاف  بيضـــاء، ورغـــم مضــي كـل هــذه السنــوات لا أعــرف لــم كنــا نفعـــل ذلـك ومــا وجــه  العــلاقــة  … ؟ 

وظــل طــائـر السنــونـو يفـاجئنـــا دائمــاً مـع أول نسمــات الخــريـف  بطيرانــه الرشيــق وسـرعتـه المـذهلـة و ألعابه المثيــرة بشــوارعنــا التربيــة ، ويثيــر إعجـابنــا بحـركـاتـه البهلوانية صعـوداً وهبــوطـاً علـى مستـوى منخفــض يكــاد يلامــس الأرض  ... فيمــا يظــل أمهــر الصبيــة مـن صيــادي الطيــور فـي الأزقـــة القـديمــة يحــاولـون باستماتة اقتناصه
 دون جــدوى... ولا أذكــر ولــو  مـرة واحــدة أنــي رأيت  سنـــونــوة فـي قفـص أو حتـى جثــة هــامـدة بـل كـان هـذا الطــائر المــدهــش  محلقــاً  بســرعتـه المعهــودة بفضاءات شــوارعنـــا  و سموات  اللــــه  .

وكــان السكــان يعــرفــون بعضهــم دون تحفــظ أو عقــــــد مـن أي نــوع فــي عـلاقــات مبنيــة علــى البســاطـة والصـــدق  .. ويـربــون الســلاحــف ويعتبـرونهــا فألاً حســناً ، ويــزرعــون دوالــي العنــب التـي تطــل بعنـاقيــدهـا الخجــولــة علــى الشــوارع مــع بــدايات شهــر يــوليـو  ، ويتقــافز  الصبيــة فــي محــاولات  يـائســة لقطفهـــا  ..  لقــد كـان النــاس فقــراء طيبيــن يصــارعــون الحيــاة مـن أجــل قــوت يـومهــم ،  و إطعــام صغــارهــم  لكنهــم كــانــوا  أيضــاً إلـى حــد مــا سعــداء  ،  وبـرأتهــم  أعطتهــم تلـك السمــة المحببـــة  دون أن يــدروا أو يشعــروا بــذلك  .

ودارت عجلـة الـزمـن ، ومــرت الأيـام برتـابـة ممــلة وكبــر الصبيــة وتفـرقـت بهــم السبــل فـي دروب الحيــاة .. رحــل البعــض إلـى مـدن الثلـج والضبــاب والكاتدرائيات العتيقــة والحمـــام عبــر الميــادين ولــم نراهــم بعــد ذلـك قــط ، فيمــا تـوجـه آخـرون صــوب رمــال الصحــراء المحـرقــة بحثــاً عـن فـرص عمــل فـي شــركـات البتـرول الأجنبيــة  .. وأكمــل البعــض تعليمــه ، وأنقطــع آخــرون  ، ومـارس البعـض لعـب كـرة القــدم فـي  أنـديـة المـدينـة دون حــظ جيـد رغـم مهـاراتهـم العـاليـة بمـداعبـة الكــرة  .. والأغلبيـة تـزوجــوا  و مـلؤا الشـوارع بأطفال سيئي التـربيــة ولـم تتغيــر حيــاتهــم كثيــراً  .

كـان  الكثيــرون مـن شبــاب بنغــازي يحبــون القــراءة والإطــلاع  ، وعلــى درجــة عــاليــة مـن الثقــافة الراقيـــة فـي الأدب والفلسفـــة والفــن  . يتـابعــون بوسـائلهــم المتـاحــة العــالم مـن حـولهــم  .. يعــرفــون تشــي جيفــارا  وكولــن ويلســون وجـان بـول ســارتر  ، و أخبــار الهيبييـــن فـي ســوهـو  ..  ويشــاهدون أفــلام جيمــس ديــن ومـارلـون برانــدوا ، ويرقصــوا  "  زوربــا  "  مـع أنتـونـي كــــويــن ويترنمـــوا بأغانــي  أم كلثــوم  وفيـروز وفــريــد الأطــرش  .. 

 كـانـوا مثقفيــن حقيقييـــن  رغـم بسـاطتهــم يتـابـعــون جـريـدة الحقيقــة ، ويعشقــون بعـض أقـلامهــا المتميـزة ، متــابعيــن  بشغــف مقــالات الصــادق النيهــوم  وخليفــة الفــاخــري  ، ويـرددون أشعــار علــي الفــزانــي ومحمــد الشلطــامــي  .

كــانــت بنغــازي يــومهــا بريئــة وطيبــة والنــاس بسطـــاء واللــه  كــان يغــدق الأحــلام فـي الشــوارع العتيقـــة بسخــــــاء  .

ولكــن لا شــي يبقــى علــى حــالـه كمــا يقــولــون  ..  هجــر النـــاس  بيــوتهــم القــديمــة ذات الأبــواب الخضــراء المبــاركــة ، و  انتقلـوا  للعيــش فـي الأحيــاء الجــديــدة الرديئــة العمــران  ، بإطـراف المـدينــة  وتهــدمـت الكثيــر مـن الأزقــة  والشــوارع ومـاتـت الكثيــر مـن الـذكـريـات  .. وما صمـد  فـي وجـه الـزمــن مـن بيـوتنــا القــديمــة أصبــح مــأوى للجــرذان  و أســراب الغــربـاء   .. اختفـت دوالــي العنــب  المطلــة مـن أسطــح البيــوت بعنــاقيـدهـا الخجــولـة  ، ومـاتـت الســلاحــف  ، و امتلأت الشــوارع بالفــوضــى وضجيــج السيــارات والرجــال الجــوف  ..  أزيلــت المقــابر بسيــدي حسيـــن والبركــة والكيــش وشــارع الشــريـف  ، وجــزء مـن مقبــرة سيــدي عبيـــد ، وتقــاسمـــوا فـي مكـاتب العقـارات المريبــة أراضيهــا دون خجــل  مـن تـاريخهــم وقبــور مـوتـاهــم   ...  ومــاتت الكثيــرات مـن عجـائزنـا الطيبــات ، ومـات الصـادق النيهــوم وخليفــة الفـاخــري وعلــي الفـزانــي  ، وصمــت الشلطـامــي فـي دلالات واضحــة عــن مــوت معلـن للشعـــر وهــزيمــة أخــر الشعــراء المحتـرميــن   .

قلــت مـاتـت الكثيــرات مـن عجــائزنــا الطيبـــات  … نســي النــاس مـع تعــاقـب الفصــول والمــواســم  قصــة  "  أم بسيســي  "  وبحثهــا المضنــي عــن  ذيلهــا لكــي تعيــــد بــه يــوم العيــــــد  ...ويصعقنـــا الســــــؤال   : أن ينســـــى النــاس الطـــائـر الصغيـــر  أمــر طبيعـــي وقــابـل للتفسيـــر والاستيعـــاب  ...  لكـــن  أن يهجـــرنـا  طـائر الذكـريات والشجــن  منــذ سنــوات متغيبــــاً  عـن مـوعــده معنــا مـع إطــلالـة كــل خــريـف فهــذا مـا لا يمكـــن  تفسيــره أو استيعابــــه   ....

فهــل رأى أحـــدكــم طـــــائـر  سنــــونـــو  ....  ؟ 

سبق النشر عام 2003

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق